د. حسين محمود رمال*
يشكّل اتفاق الطائف، بوصفه نصاً ذا قيمة دستورية مُلحقة بصلب النظام، مرجعية عليا في إعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس الشرعية والميثاقية. ولا سيما من خلال مقدمة الدستور، وتحديداً الفقرتين (ط) و(ي)، اللتين ترسيان مبدأي وحدة الشعب ورفض أي شرعية تناقض ميثاق العيش المشترك. وعليه، فإن أي قراراً استراتيجياً صادراً عن أي سلطة دستورية يبقى خاضعاً لهذين المعيارين المؤسسين، بما يجعل الميثاقية قيداً حاكماً لا مجرد توصيف سياسي.
أولاً: الطائف كإطار دستوري للدولة المدنية ضمن التعددية
أعاد الطائف تنظيم العلاقة بين الدولة والطوائف على قاعدة الانتقال من الطائفية السياسية إلى الدولة المدنية، من دون إنكار الواقع التعددي. فالدستور، بوصفه المرجعية العليا، يُخضع الخصوصيات الطائفية لمنطق الدولة، ويحوّلها من عناصر انقسام إلى مكوّنات مُنظَّمة ضمن وحدة قانونية واحدة. وبذلك، يُفهم الطائف كمرحلة تأسيسية في مسار إلغاء الطائفية السياسية، لا كتكريس دائم لها.
ثانياً: وحدة الإقليم وتثبيت الحدود كركيزة للسيادة
كرّس الطائف وحدة الأراضي اللبنانية ضمن حدودها الدولية الثابتة منذ نشأة الكيان في مطلع القرن العشرين، والتي تأكدت لاحقاً في اتفاق الهدنة لعام 1949. ويؤدي هذا التثبيت إلى إرساء قاعدة قانونية صلبة لمفهوم السيادة، بما يفرض على الدولة بسط سلطتها الكاملة على كامل الإقليم دون استثناء أو ازدواجية ودون تحميل لبنان اعباء مضافة على هذا الاتفاق ما يجعل لبنان آمنا من أي تداعيات غب الطلب التفاوضي والاستعانة عن هذه الخشية بالوحدة الوطنية التي تتمسّك بحدود لبنان وقواعد القانون الدولي.
ثالثاً: وحدة الشعب والنظام التمثيلي الوطني
على الرغم من الإقرار بالتعدد الطائفي، ينطلق الطائف من فرضية وحدة الشعب اللبناني، الأمر الذي يوجب تطوير النظام الانتخابي باتجاه تمثيل وطني شامل على مستوى لبنان كدائرة سياسية واحدة. ويؤدي ذلك إلى إنتاج أكثرية حاكمة ومعارضة فعلية، بما يعزّز العمل الديمقراطي ويحدّ من الانقسامات العمودية.
رابعاً: إلغاء الطائفية السياسية وضبط مسألة الجنسية
ينص الطائف صراحة على العمل لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، بما يستدعي إجراءات تشريعية حازمة، من بينها إعادة النظر في السياسات المرتبطة بمنح الجنسية اللبنانية، وضبط آثار بعض المراسيم التي أخلّت بالتوازن الديمغرافي، حيث أدخل على المجتمع اللبناني عشرات آلاف المجنسين الذين لا يشبهون اللبنانيين بشيء وتحديدا مرسوم التجنيس لعام 1994، ضمن إطار قانوني صارم يحفظ الهوية الوطنية والسيادة.
خامساً: الميثاقية كضابط دستوري للقرار الاستراتيجي
تُعدّ الفقرتان (ط) و(ي) من مقدمة الدستور بمثابة معيارين حاكمين لأي قرار سيادي، بحيث لا تكتسب أي سلطة شرعيتها إذا خالفت مقتضيات العيش المشترك أو وحدة الشعب. وعليه، فإن الميثاقية ليست مجرد عرف سياسي، بل قاعدة دستورية مُلزمة تضبط مسار السلطة وتمنع انحرافها.
سادساً: حصرية القوة بيد الدولة وبناء الاستراتيجية الدفاعية
يفرض منطق الطائف، في ضوء مبدأ السيادة، أن تحتكر الدولة اللبنانية وحدها وسائل القوة، وأن تبسط حضورها الأمني والعسكري الكامل على حدودها، لا سيما الجنوبية. ويستدعي ذلك إقرار استراتيجية دفاعية وطنية تُدار حصراً من قبل مؤسسات الدولة الشرعية، في مواجهة واقع أمني معقّد يتمثل بوجود قوة احتلال وجيش منظم، إلى جانب مستوطنين مسلحين في الجهة المقابلة يشكلون تهديدا حقيقيا لجنوب لبنان تارة بالاعتداء عليه وأخرى التلويح بإقامة المستوطنات فيه.
سابعاً: السياسة الخارجية بين الحياد الإيجابي وحماية الخصوصية
يُحتّم موقع لبنان وفرادته صياغة سياسة خارجية متوازنة تُجنّبه الانخراط في محاور إقليمية متنازعة، بما يحفظ استقراره الداخلي. فلبنان، بطبيعته التعددية، لا يحتمل التحوّل إلى دولة مواجهة دائمة أو إلى ساحة صراع، بل يقتضي انتهاج نهج يحمي خصوصيته ويصون سيادته.
ثامناً: الحوار الوطني كآلية وقائية من الانفجار الداخلي
في ظل التحديات المتراكمة، يبرز الحوار الوطني كخيار دستوري - سياسي ضروري لتفكيك الأزمات البنيوية، ومنع استيراد صراعات خارجية أو مشاريع تفجيرية تهدّد الكيان. ويكتسب هذا الحوار أهمية مضاعفة عند مقاربة قضايا حسّاسة كمسألة التفاوض المباشر أو الخيارات الاستراتيجية، لما لها من انعكاسات عميقة على وحدة الداخل اللبناني.
وعليه،
إن اتفاق الطائف، في جوهره الدستوري، ليس مجرد تسوية ظرفية، بل مشروع دولة متكامل يقوم على السيادة، ووحدة الشعب، وحصرية القرار بيد المؤسسات الشرعية. غير أن تفعيله يظل مرهوناً بإرادة سياسية حاسمة تعيد الاعتبار للدولة كمرجعية عليا لا شريك لها. ومن دون ذلك، يبقى النص معطّلاً، وتبقى الدولة رهينة التوازنات الهشّة. وعليه، فإن استعادة لبنان لدوره ووظيفته تمرّ حتماً عبر قراءة صارمة للطائف وتطبيقه الكامل، بوصفه المدخل الوحيد لبناء دولة مدنية قوية، قادرة على حماية حدودها، وصون وحدتها، ومنع انزلاقها إلى صراعات لا تشبهها ولا تحتملها فأي قرار استراتيجي في السياسة الخارجية لا يحظى بإجماع لبناني هو تفخيخ للداخل سينفجر بتوقيت المتربصين بلبنان على رأسهم إسرائيل ما أن يستدرج لبنان إلى التطبيع حتى يسقط لبنان الفرادة ويعمّ التوطين والتقسيم والتجزئة عندها سلام على لبنان الذي كنا به نتغنّى.
* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي