بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 أيار 2026 12:10ص لبنان بين مدنية الانتماء العربي الرسالي وساديّة الامتيازات المغلقة

حجم الخط
في لحظة لبنانية حرجة تتآكل فيها ركائز الدولة الدستورية تحت ضغط نظام المحاصصة وتكاثر شبكات الامتيازات المغلقة يعود الجدل حول الهوية ليحتل واجهة النقاش العام. يتقدّم خطابٌ يُشَوّه «العروبة» ويُحمّلها مسؤولية ما آلت إليه البلاد من انقسام وعنف وتراجع ويقترح في المقابل العودة إلى انتماءات موغلة في التاريخ فينيقية أو كنعانية بوصفها بديلاً «أنقى» وأكثر حداثة. غير أنّ هذا الطرح رغم جاذبيته الظاهرية يصطدم بحقائق علمية وتاريخية صلبة، فالعالم المعاصر لم يعد يبني دوله على نقاء الأعراق بل على مدنية الانتماء أي على العقد الاجتماعي وسيادة القانون والمواطنة المتساوية.
لا أحد من الباحثين الجادّين اليوم يفسّر تقدّم الغرب بالعودة إلى «أصول عرقية صافية»، بالعكس لقد قامت التجربة الغربية الحديثة على تفكيك هذه الفكرة والانتقال نحو نموذج مدني يتجاوز الانتماءات البيولوجية. من هنا يفرض السؤال نفسه هل أزمة لبنان نابعة فعلاً من «عروبته» أم من عجزه عن الانتقال إلى نموذج مدني يُدير تعدديته ضمن إطار جامع؟
الخلط القائم في النقاش اللبناني حول «العروبة» يعود إلى اختزالها في بعدها الأيديولوجي أو السياسي او عبر الخلط بينها وبين «الإعرابيّة» المغلقة. غير أنّ مقاربة أعمق تكشف أنّ العروبة في جوهرها الثقافي ليست انتماءً عرقياً مغلقاً بل فضاءً لغوياً وقيمياً مفتوحاً. اللغة هنا ليست معيار تفاضل بل أداة تواصل فكري وقيمي وإنتاج معرفة. وهي بهذا المعنى تحمل إمكانية احتضان التعدّدية الطائفيّة والإثنيّة بدل إقصائها.
هذا الفهم يجد جذوره في التجربة التاريخية للمدينة المنوّرة التي شكّلت نموذجاً مبكراً لتنظيم التنوّع ضمن عقد مدني. لم تكن المدينة مجتمعاً متجانساً بل فضاءً ضمّ جماعات مختلفة دينياً وثقافياً جرى تنظيمها عبر «صحيفة» تأسيسية قائمة على الشراكة في الحقوق والواجبات. لم تُلغَ الاختلافات بل أُديرت ضمن إطار جامع يحمي التعدّدية من التحوّل إلى صراع.
من هذا المنظور يمكن فهم «العروبة» بوصفها أفقاً مدنياً تفاعلياً لا هوية إقصائية. فهي لم تكن تاريخياً حكراً على العرب بالمعنى العرقي بل ساهم في بنائها أفراد وجماعات من خلفيات متعددة. كلما اقتربت من معناها الثقافي ازدادت قدرتها على الاحتضان وكلما حُوّلت إلى أداة إقصاء أخذت شكل «أعرابيّة التعصب» وفقدت معناها ووظيفتها.
في مقابل هذا الأفق يبرز في لبنان نمط من الانتماء يمكن وصفه بـ«الأعرابية الحديثة» أي ذهنية الانغلاق والعصبية التي تُقدّم الجماعة الضيقة على حساب الدولة. هذه الظاهرة لا ترتبط بجماعة بعينها بل تتجلّى في بنية النظام الطائفي الذي حوّل الدولة إلى ساحة تقاسم نفوذ.
تتغذّى هذه الذهنية من ثلاث ركائز أساسية. أولها تقديس الانتماء الضيق حيث تصبح الطائفة مرجعية الفرد الأساسية ويُختزل مفهوم المواطنة لصالح الولاء. ثانيها إعادة إنتاج الامتيازات عبر نظام حصص يوزّع السلطة والموارد وفق الانتماء لا الكفاءة. وثالثها إنتاج الخوف المتبادل حيث تُغذّي كل جماعة شعوراً دائماً بالتهديد ما يبرّر استمرار الانغلاق.
بهذا المعنى لا تعود الأزمة اللبنانية صراعاً بين «عروبة» و«لا عروبة» بل صراعاً بين منطقين، منطق مدني يسعى إلى بناء دولة قائمة على المواطنة ومنطق امتيازي يُعيد إنتاج الهويات المغلقة بعناوين خادعة كأدوات للسيطرة. والخطر هنا لا يقتصر على تعطيل الدولة بل يمتد إلى تفكيك المجتمع نفسه عبر تحويل التنوّع من مصدر غنى إلى مصدر نزاع.
لفهم تعقيد المشهد اللبناني لا بد من العودة إلى مسار تشكّل الهوية. فقد ساهمت التحوّلات الإقليمية الكبرى من سقوط السلطنة العثمانية إلى نشوء الدول الحديثة في إعادة رسم الحدود والانتماءات. كما لعبت التدخلات الخارجية دوراً في تثبيت نظام سياسي قائم على التوازنات الطائفية. لكن العامل الخارجي لا يفسّر كل شيء، فمع مرور الزمن تحوّلت هذه الصيغة إلى منظومة مصالح تدافع عنها نخب سياسية واقتصادية أعادت إنتاجها عبر شبكات الزبائنية. وهكذا لم تعد الطائفية مجرد إطار تنظيمي بل أصبحت بنية قائمة بذاتها تخدم المصالح وتُعيد إنتاج الانقسام.
في هذا السياق ظهرت مفارقة لافتة، يُقدَّم لبنان كفسيفساء ثقافية غنية لكن هذه الفسيفساء تُدار عملياً كجزر منفصلة. التعدّدية موجودة لكنها غير مُدارة ضمن عقد مدني بل ضمن نظام «امتيازات» احتكار المصالح الضيقة، وهذا ما يفسّر العجز المزمن عن بناء دولة فاعلة.
أما اللجوء إلى سرديات تاريخية بديلة فينيقية أو كنعانيّة أو غيرها فغالباً ما يأتي كردّ فعل سياسي لا كمشروع بناء حقيقي. هذه السرديات قد تعيد تعريف الذات رمزياً لكنها لا تقدّم حلولاً عملية لبناء مؤسسات حديثة لأنها تبقى أسيرة منطق الانتماء المغلق ووهم ساديّة عاجزة عن استيعاب حقيقة التاريخ وقراءة الواقع ورؤية المستقبل.
التحدّي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يكمن في اختيار هوية بديلة بل في إعادة تعريف العلاقة بين مكوّناته. المطلوب ليس إلغاء التعدّدية بل إدارتها ضمن عقد مدني واضح يفصل بين الاعتراف بالتنوّع وبين تحويله إلى نظام امتيازات. هذا الانتقال يقتضي تغييراً عميقاً في منطق الحكم، من توزيع الحصص إلى بناء المؤسسات ومن حماية الجماعات إلى حماية المواطن ومن إدارة الخوف إلى بناء الثقة، وهو مسار طويل لكنه شرط أساسي للخروج من الأزمة.
في هذا الإطار يمكن إعادة قراءة العروبة كأحد الفضاءات الممكنة للتواصل لا كإطار إقصائي. فهي حين تُفهم بوصفها ثقافة ولغة وقيماً يمكن أن تتكامل مع خصوصيات الكيانات المختلفة بدل أن تتعارض معها. في المحصّلة تكمن أزمة لبنان في عجزه عن إدارة تعدّديته لا في تعدّديته نفسها. فالانتماءات مهما تنوّعت لا تتحوّل إلى مشكلة إلّا حين تُستغل لإنتاج امتيازات مغلقة. والعكس صحيح، يمكن لهذه الانتماءات أن تكون مصدر قوة إذا أُدرجت ضمن عقد مدني عادل.
إن الخروج من المأزق اللبناني لا يمرّ عبر استبدال هوية بأخرى بل عبر بناء دولة حديثة تُعيد الاعتبار للمواطنة. دولة تُنظّم التنوّع بدل أن تُحوّله إلى صراع وتُعيد تعريف الانتماء بوصفه شراكة في المسؤولية لا أداة اللهيمنة.
اليوم لبنان أمام خيارين واضحين، إما الاستمرار في دوّامة الامتيازات التي تُقوّض الدولة أو الانتقال إلى أفق مدني يُعيد بناء العقد الاجتماعي. الخيار الأول يعني مزيداً من التآكل أما الثاني فيفتح الباب أمام استعادة المعنى الحقيقي للدولة كإطار جامع يربط بين المختلفين بدل أن يفصلهم. عند هذا المفترق لا تعود المسألة سؤالاً عن «من نحن» بل عن «كيف نعيش معاً» و«كيف نبنى مستقبلاً جامعاً يستثمر بغنى التنوّع» وهذا السؤال في جوهره هو ما سيحدّد مستقبل لبنان.