بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 نيسان 2026 12:05ص اتفاق بلا توازن: كيف نقل وقف إطلاق النار 2026 العبء من إسرائيل إلى الدولة اللبنانية؟

حجم الخط
د. محمد دوغان

لم يكن الإعلان الأميركي عن اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل 2026 مجرد محطة عابرة في سياق التصعيد العسكري، بل شكّل نقطة تحوّل مفصلية في بنية الصراع ذاته. فالنص الذي وُضع برعاية واشنطن لا يندرج في إطار التهدئة التقليدية، بل يتجاوزها إلى تأسيس مسار سياسي - أمني جديد، يعيد رسم قواعد الاشتباك ويعيد توزيع الأدوار والمسؤوليات بطريقة غير متكافئة.
منذ السطر الأول، يخرج الاتفاق عن منطق «الهدنة» نحو منطق التسوية. فإقرار الطرفين بأنهما «ليسا في حالة حرب»، والالتزام بمفاوضات مباشرة برعاية أميركية، لا يمكن فصلهما عن تمهيد واضح لمسار قد ينتهي باتفاق سلام دائم. هذا التحوّل ليس شكلياً، بل يعكس انتقالاً من حالة نزاع مسلح إلى مرحلة إدارة نزاع تفاوضي، بما يحمله ذلك من تداعيات قانونية وسياسية عميقة.
غير أن جوهر الاتفاق لا يكمن في إعلان وقف الأعمال العدائية، بل في الشروط التي أُحيط بها هذا الوقف. فهو وقف مؤقت، محدد زمنياً، وقابل للتمديد فقط في حال تحقق شرطين أساسيين: إحراز تقدم ملموس في المفاوضات، وإثبات لبنان قدرته على بسط سيادته. هنا تحديداً تكمن نقطة التحوّل الأخطر، إذ لم يعد وقف النار التزاماً متبادلاً بقدر ما أصبح مشروطاً بأداء الدولة اللبنانية الداخلي، ما يحوّل السيادة من حق أصيل إلى معيار خاضع للتقييم والاختبار.
وفي موازاة ذلك، يكرّس النص اختلالاً واضحاً في ميزان الحقوق، من خلال تثبيت حق إسرائيل في الدفاع عن النفس بصيغة فضفاضة تشمل التهديدات المخططة أو الوشيكة أو الجارية. عملياً، يفتح هذا التعريف الباب أمام شرعنة الضربات الاستباقية، ويمنح إسرائيل هامش حركة عسكرية واسعاً حتى في ظل سريان وقف الأعمال العدائية، ما يجعل الالتزام بالتهدئة غير متكافئ من الناحية الفعلية.
أما البند المتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، فيشكّل العمود الفقري للاتفاق. إذ ينص بوضوح على أن المسؤولية الأمنية والعسكرية داخل لبنان تقع حصراً على عاتق المؤسسات الرسمية، مع التزام صريح بمنع أي مجموعات غير تابعة للدولة من تنفيذ أعمال عدائية ضد إسرائيل. هذا البند، وإن كان يتقاطع مع القرارات الدولية السابقة، إلا أنه يكتسب هنا طابعاً مختلفاً، كونه يأتي في سياق تفاهم مباشر مع إسرائيل، ما يحوّله من التزام دولي عام إلى شرط تعاقدي مرتبط باستمرار وقف النار ومسار التفاوض.
وفي السياق ذاته، يكتسب نفي أي دور لجهات خارجية كـضامن لسيادة لبنان دلالة سياسية عميقة، إذ يعيد تعريف السيادة اللبنانية باعتبارها مسؤولية حصرية غير قابلة للتفويض أو المشاركة، ويضع حدّاً نظرياً لأي أدوار إقليمية موازية. إلّا أن هذا الطرح، على وجاهته القانونية، يصطدم بواقع داخلي معقّد، ما يجعل تطبيقه موضع اختبار فعلي في المرحلة المقبلة.
اللافت أيضاً هو الإقرار الصريح بمبدأ التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، بما في ذلك معالجة مسألة ترسيم الحدود البرية. فهذا التطور يمثّل خروجاً عن السياسة التقليدية اللبنانية التي طالما تجنبت هذا النوع من التفاوض، ويفتح الباب أمام مسار تدريجي قد يتجاوز البُعد التقني إلى أبعاد سياسية أوسع.
عند تقييم النتائج، يظهر بوضوح أن إسرائيل خرجت بمكاسب استراتيجية تتجاوز البُعد الأمني الآني. فقد نجحت في تثبيت حقها في العمل العسكري الاستباقي، ونقلت عبء ضبط الساحة من مواجهتها المباشرة إلى الدولة اللبنانية، كما فتحت باباً رسمياً لمسار تفاوضي مباشر. في المقابل، حصل لبنان على مكاسب محدودة ذات طابع ظرفي، أبرزها وقف العمليات العسكرية وإمكانية الاستفادة من دعم دولي، لكنها تبقى مكاسب مشروطة بمدى قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها.
وعليه، فإن هذا الاتفاق لا يمكن قراءته كإنجاز متوازن، بل كترتيب يعيد تموضع الصراع. فبدلاً من أن يبقى محصوراً على الحدود الجنوبية، جرى نقله إلى الداخل اللبناني، حيث باتت الدولة أمام استحقاق فرض سيادتها الكاملة، تحت رقابة دولية غير معلنة، وفي ظل تهديد دائم بإعادة تفعيل الخيار العسكري من الجانب الإسرائيلي.
في الخلاصة، لا يؤسس هذا الاتفاق لسلام بقدر ما يؤسس لمرحلة اختبار: اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على إعادة احتكار القوة، واختبار لمدى استعدادها للدخول في مسار تفاوضي معقّد، يحمل في طياته فرصاً بقدر ما ينطوي على مخاطر. أما ميزان الاستفادة، فيميل بوضوح لصالح إسرائيل استراتيجياً، فيما يجد لبنان نفسه أمام فرصة مشروطة، قد تتحوّل إلى عبء إذا لم تُدار بحذر وحزم.
فهل يكون هذا الاتفاق بداية استعادة الدولة، أم مدخلاً لإعادة تعريفها تحت الضغط؟