استراتيجية ترامب وجغرافية الدم اللبنانية!
حجم الخط
وراء «أكمة» هذا الإنشغال اللبناني، الظاهر للعيان في التشكيلات والتعيينات، والانتخابات وإقرار الموازنة، التي لم تقر طوال إحدى عشرة سنة «مالية»، وما تحقق على هذه الصعد، بقوة دينامية «المحاصصة»، المنبعثة من زكام «المشاركة المسيحية» في القرار، مع وصول ميشال عون إلى الرئاسة الأولى، في تحوُّل، ينتظر كثيرون آثاره المدمرة على «نموذج الحكم»، الذي اتبع منذ العام 2005، بعد إجراء الانتخابات النيابية في أيّار من العام 2018، وبعد حسم الأمر، ان بطاقة الهوية أو «الباسبور» يكفي أحدهما للإقتراع، في المكان المثبت على بطاقة الهوية أو مكان السكن، وراء هذا الانشغال، اضطراب لدى القوى اللبنانية، إزاء المخاطر الناجمة، في غضون الأشهر الثلاثة المقبلة، أو الستة، بعد ان يكون الكونغرس الأميركي قال كلمته في الاتفاق النووي الإيراني، في ضوء «كرة النار» التي قذفها السيّد دونالد ترامب، الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركية، برفضه التصديق على قرار يتعلق بالتزام إيران بالاتفاق ومندرجاته.
ويتوزَّع هذا «الاضطراب» بانصراف كل تيّار سياسي أو حزب أو قوة أو طائفة، إلى إعادة تقييم الحسابات، من زاوية افتراض السيناريوات المحتملة لما اصطلح على وصفه «باستراتيجية ترامب» لمواجهة، ما جاء على لسان الرئيس الجمهوري الأميركي بالتوسع العدواني لإيران، والجهات الحزبية المرتبطة بها، وفي تسمية مباشرة لحزب الله اللبناني..
في المشهد «الغامض، والمفتوح على آفاق التصعيد، مع الردّ الإيراني، على لسان الرئيس حسن روحاني، والذي كشف فيه ان استراتيجية إيران، تتضمن في ما تتضمن المضي قدماً في تطوير الصواريخ الهجومية البالستية، فضلاً عن البرنامج النووي، ولـ «الاغراض سلمية»، سارع الرئيس سعد الحريري، من موقعه كرئيس لوزراء لبنان، ولأكبر كتلة نيابية ولواحد من التيارات السياسية الكبيرة و«الوازنة» (تيّار المستقبل) إلى إعلان «تصوّر أولي» للموقف اللبناني، يقضي، وكما قال الرئيس الحريري نفسه، بحماية لبنان عن أية تداعيات للتأزم الأميركي - الإيراني، ودعوته القوى اللبنانية، الممثلة في الحكومة وخارجها، للإلتقاء والتفاهم على ما يتعين فعله، ما دام لبنان، لا شأن له بهذا الصراع، ولا حول ولا قوة له أو تأثير في مجرياته.
وأي تكن حسابات الرئيس سعد الحريري، أو معلوماته حول المدى الذي يمكن ان يبلغه هذا التصعيد، الا ان موقفه، لا يمكن ادراجه خارج، الاستشعار بوجود خطر من انفجار النزاع الأميركي - الإيراني، وتوسعه إلى لعبة محاور، قائمة وهي معلنة ومضمرة، وخارج الاستشعار باحتمالات ارتداد هذا الخطر على صيغة الاستقرار الداخلي، في الأمن والاقتصاد، والنقد، فضلاً عن السياسة ما لم تنتزع التأكيدات والضمانات، بأن لبنان، ليس الدولة أو الجيش أو الحكومة، بل حزب الله، غير معني بتداعيات تطوّر الاشتباك الدبلوماسي، إلى اشتباك حربي، أو أمني، أو ما عادل أو شاكل.
ويتقاطع موقف الرئيس الحريري هذا، ويتباعد عن مواقف لحزب الله جاءت على لسان أمينه العام السيّد حسن نصر الله، في مناسبة تأبين أحد قيادييه قبل أيام، من أن الحزب يدعم «المسعى الرسمي للحكومة اللبنانية الذي يحاول عزل الاقتصاد اللبناني عن تأثيرات قانون العقوبات الأميركي... والذي هو، والكلام للسيد نصر الله، «أكبر من الدولة اللبنانية»، وذاهباً إلى أبعد من ذلك بأن «لا قانون العقوبات، ولا التهديدات الإسرائيلية، ولا التهويلات يؤثرون علينا».. ومشيراً إلى أن «من هو جاهز ليضحي بالدم إذا عوقب بالموضوع المالي لا يغيّر موقفه».
لكن الجديد، في المواجهة ان لبنان لا يمكن سحبه من «منصة الاشتباك» أياً تكن الأشكال التي سيتخذها هذا الاشتباك.. في غمرة استعار المواجهة، وارتباط الأوضاع التي ستشهدها بمجريات أوسع تتعلق بالحرب الدائرة في سوريا، «والاقتطاعات الجغرافية» للدول الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا) والإقليمية الكبرى (تركيا - إيران - اسرائيل) وإلى حدّ ما بعض القوى العربية، من المساحة السورية، المفتوحة على «جراحة بالقنابل والقذائف وحاملات الطائرات والبوارج الكبرى»، على أرض المعركة في دير الزور، وأرياف حماه وحلب وحمص وصولاً إلى أرياف العاصمة دمشق نفسها.. أن حزب الله، شريك مباشر في الحرب، يتقدّم مع حلفائه على محاورها، وينتكس إذا ما انتكسوا، ويقدّم أْعداداً من مقاتليه في ساحات الوغى.
في الحروب الدائرة في المنطقة العربية، ينخرط «حزب الله» في معارك العراق وسوريا واليمن، إلى جبهة أوسع تمتد على كامل جغرافيا التوتر الإقليمي والدولي.
والسؤال، التحدي هنا: هل تتغيّر، مع استراتيجية ترامب، قواعد الاشتباك، لتمتد إلى لبنان، وضمن أية معادلة أو صورة، في ظل انكشاف أمر الخرائط الجيوسياسية، والخرائط الجيوإقتصادية، والخرائط جيودينية.
والسؤال الثاني والأخطر، المنبثق عن الأول: هل يبقى لبنان بمنأى عمّا يسميه الكولونيل الأميركي المتقاعد رالف بيترز، «حدود الدم» (مقالة من ضمن كتاب له «لا تترك القتال أبداً)؟ وبأي حسابات، يمكن ان يزج لبنان، داخل الجغرافية المستقرة اليوم (وهي اعجوبة، بعد أعجوبة، أي الاستقرار) بلعبة الحديد والنار؟ وما الأهداف الكامنة وراء ذلك؟
هل تفكيك البلد، وتحويله إلى ساحة حروب، «بكب كميات مما تصفهم الدوائر الأميركية «بالجهاديين» إليه، أم إنهاك حزب الله بحرب مع إسرائيل؟
الاحتمالات كلها في الواجهة! سواء أعرض الموقف أمام مجلس الوزراء أم لا؟ سواء أكانت احتمالات السيناريوهات قبل الإنتخابات أو عشيتها.. فالمخطط الجهمني على الطاولة.. ولكل حساباته اللبنانية والإقليمية وحتى الدولية، قبل ان يكون البلد «دولة» نفط وغاز.. والطبع بعدما تحوّل إلى دولة نفطية، ننتظر فقط الانضمام إلى الاوبيك (OPEC)؟؟






