الحديث عن خلافة رئاسية مبكِّرة يفتقد إلى البُعد الأخلاقي في العمل السياسي
حجم الخط
لا تُظهر قيادة التيار سأماً من أي نقاش حزبي لا بل تدفعه صوب الحوار دفعاً
تشتدّ، راهناً، الحملة على جبران باسيل، مع إضافة لافتة - فارقة عن الحملات السابقة، تتمثّل في تحييد القوى المعنية والمتخاصمة معه، رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، على اعتبار أنه على مسافة واحدة من الجميع، وأن باسيل لا يعبّر في مواقفه وسياساته الداخلية والخارجية عن رئيس الجمهورية. هذا ما تفعله «القوات اللبنانية»، وهذا ما يفعله أيضا ما يعرف بالصقور في تيار «المستقبل».
يجهد البعض في تكرار الحديث عن خلاف وافتراق في وجهات النظر بين عون وباسيل، على خلفيتي حراكه السياسي الداخلي (كموقفه من قانون الانتخاب ومقترحي النسبية والتأهيل) وقيادته «التيار الوطني الحر» على أبواب الإنتخابات التشريعية العامة.
قيل ان بعض القاعدة العونية لا تهضم أفكار باسيل وتطلعاته، ولا تستسيغ تحالفاته وتفاهماته. وقيل أيضا ان الرجل يأخذ التيار ومحازبيه وجمهوره الأوسع الى حيث لا قدرة لهؤلاء على التأقلم والاستمرار أو الثبات، وأنه كذلك يمنح خصومه من أهل السياسة هدايا مجانية أو يحضّ المتضررين (خصوم الأمس) على الالتقاء في الإنتخابات النيابية، وربما في السياسة وتجاوزاتها، بما يؤدي لاحقا الى تكبّده وتكبيد التيار خسارة انتخابية قاسية.
وما يقال في الانتخابات النيابية، يقال أيضا في الانتخابات الرئاسية.
ثمة عبارة كثر تداولها في الآونة الأخيرة، حداً خُيل أنها صارت من الثوابت في السياسة، مفادها أن الدائرة الانتخابية الثالثة شمالاً (بشري، زغرتا، الكورة، البترون) هي الفيصل سياسيا ورئاسيا، بمعنى انها ستحدد مآل الأعوام الخمسة من العهد، والأهم مصير إنتخاب الرئيس المقبل، بين باسيل وكل من سمير جعجع وسليمان فرنجية.
قد يكون في الكثير من كل ذلك القيل دقة وصحة. فالسياسة بعضها واقع، وكثيرها رهان واستشراف وتوقّع. والسياسة كذلك جهد وكدّ وثبات، لكنها أيضا متحركة، تفترض بمُمتهنها أن يحتاط ويناور ويجتهد، وربما يقطع خطوطا حمراء كي يصل الى مبتغاه. وليس من المستغرب، والواقع هذا، أن يخبو سياسيّ في يوم، ليتّقد زهوا ونصرا في يوم آخر.
حال التيار الوطني الحر من حال الأحزاب الأخرى، ولا سيما المسيحية منها، مع فارق أن قيادته تتكئ على أوسع قاعدة شعبية مسيحية تتسابق القوى الأخرى على استمالة بعضها، وخصوصا النافرون منها، وعلى دينامية على مستوى القيادة تقلق الخصوم وتجعل المحازبين في تحدّ مستمر لإثبات الذات ولثبات الموقع. وهذه حال العمل الحزبي الذي يفترض بالمحازب التزام المبادئ واحترام التراتبية والانضباط، بحيث يأتي تقويم الأداء وفق هذه المعايير الثلاثة.
ومن الطبيعي أن يخرج من هذا التقويم – المكافأة، راضون وناقمون.
تأسيساً على ذلك، لا تظهر قيادة التيار الوطني الحر سأماً من أي نقاش حزبي، لا بل هي تدفع دفعا في أحيان كثيرة صوب الحوار، وتستسيغ سماع آراء مختلفة ومتعارضة تحت سقف المبادئ العامة.
كما لا يظهر على هذه القيادة امتعاض من مجمل ما يحيط بها من انتقادات وهجمات من خصوم، طالما أنها مقتنعة بصوابية ما تطرح، وخصوصا في ملفي قانون الانتخاب وعودة النازحين السوريين. وهي لم تخفِ، في الأصل، يقينها بأن ثباتها في مقاربة هذين الملفين سيسبب لها مزيدا من الخصام، في مجلس الوزراء وخارجه، وخصوصا مع الوزراء الذين هم على تماس مباشر مع كلا الملفين. ولا ريب أن هذا الواقع لن يغيّر في قناعتها.
لكن ما يثير علامة استفهام، وربما اشمئزاز، يرتبط بالنقاش المفتوح راهنا في خلافة مبكرة لرئيس الجمهورية، وهو لمّا يزل في سنته الأولى.
يعمد خصوم باسيل إلى ربط كل حراك يقوم به داخليا وخارجيا برغبته في التمهيد لهذه الخلافة، متغافلين أن ديناميته هي نفسها منذ أن صار وزيرا للاتصالات في العام 2008.
غير أن للمسألة، على خرافة كثير مما طُرح حولها وعلى افتقاده أبسط مبادئ الواقعية السياسية (لناحية الظروف السياسية الداخلية والخارجية المؤهلة لأي رئاسة والتي لا تكون في كثير من الأحيان مرتبطة بتوازنات محلية)، بُعْد لا أخلاقي فاقع. ذلك أن متناولي هذه المسألة يتقصّدون التصويب على صحة رئيس الجمهورية، في تجاوز واضح للأدبيات التي تحكم العلاقات السياسية، ولما لا يفقهه حتى علم الغيب.






