الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990): من انهيار السيادة التوافقية إلى تشظّي الدولة (1/4)
د. طلال الساحلي*
المقدمة: الحرب الأهلية بوصفها لحظة إعادة تعريف للسيادة والدولة
يصعب فهم الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) باختزالها في صراع طائفي أو تنافس سياسي أو ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية. فهذه العناصر حاضرة فعلاً، لكنها لا تفسر وحدها العمق التاريخي للأزمة، ولا استمرارها خمسة عشر عاماً، ولا عجز الدولة عن استعادة مركزيتها طوال تلك المدة.
تنطلق هذه القراءة من فرضية أن الحرب لم تكن بداية أزمة السيادة في لبنان، بل المرحلة التي انتقلت فيها هذه الأزمة من التوتر البنيوي إلى الانكشاف الكامل. فمنذ نشأة الدولة الحديثة، عانى لبنان إشكالية مستمرة في طبيعة سيادته واستقلال قراره. ففي مرحلة المتصرفية، نشأت صيغة حكم مرتبطة بضمانات خارجية وتوازنات دولية حدّت من مفهوم السيادة الكاملة، فأنتجت «سيادة مقيدة». ثم أسس استقلال عام 1943 محاولة لبناء صيغة داخلية قائمة على التوافق بين المكونات، فظهرت «السيادة التوافقية» كآلية لإدارة التعدد.
غير أن هذه السيادة التوافقية، رغم نجاحها النسبي في العقود الأولى، حملت تناقضاً جوهرياً: نجحت في منع هيمنة طرف واحد، لكنها فشلت في بناء دولة مركزية تحوّل التعدد الاجتماعي إلى مواطنة سياسية متساوية. فبقي النظام قائماً على توازن الجماعات أكثر من قوة المؤسسات، واعتمدت الدولة على استمرار توافق النخب أكثر من اعتمادها على قدرتها الذاتية في فرض القانون.
ومع التحوّلات الكبرى منذ أواخر الستينيات، فقدت هذه الصيغة قدرتها على إنتاج الاستقرار: تغيّرت التوازنات الديموغرافية والاجتماعية، وتصاعد حضور القضية الفلسطينية داخلياً، وازداد ارتباط لبنان بصراعات الإقليم، بينما ظل النظام عاجزاً عن ابتكار صيغة جديدة تستوعب هذه التحولات. لذا لم تكن الحرب انفجاراً مفاجئاً ناتجاً عن حادث أمني، بل نتيجة تراكم طويل لأزمة الدولة نفسها. فحين تعجز المؤسسات عن استيعاب التناقضات، وتفقد الجماعات ثقتها بحماية الدولة لمصالحها، يبدأ الانتقال التدريجي من الولاء للدولة إلى الولاء للجماعة، ومن الاحتكام إلى القانون إلى الاحتكام إلى القوة. عند هذه النقطة تتحوّل أزمة السيادة من أزمة سياسية إلى أزمة بنيوية تمسّ جوهر الدولة.
لا يكمن جوهر هذا التحوّل في انهيار الأمن أو انتشار السلاح فحسب، بل في انتقال الدولة من صعوبة إدارة السيادة إلى مرحلة أصبحت فيها وظائف السيادة نفسها موزعة بين قوى متعددة. فالدولة لم تختفِ قانونياً ولم تفقد شخصيتها الدولية، لكنها فقدت احتكارها العملي لوظائف أساسية، أبرزها احتكار استخدام القوة، وإدارة المجال العام، وفرض القانون، والتحكم الكامل بالقرار السياسي والاستراتيجي.
من هنا نقترح مفهوم «السيادة المتشظية» أداةً تحليلية لفهم المرحلة 1975–1990. والمقصود به ليس سقوط الدولة أو زوالها، بل حالة تبقى فيها الدولة قائمة قانونياً ودستورياً، بينما تتوزع وظائفها السيادية بين مؤسسات رسمية وقوى موازية، محلية وإقليمية، بحيث تعجز السلطة المركزية عن احتكار القرار أو فرضه على كامل الإقليم.
ويختلف هذا المفهوم عن «الديمقراطية التوافقية» التي طوّرها أرند ليبهارت لدراسة المجتمعات المنقسمة؛ فتلك تشرح إدارة الانقسامات عبر تقاسم السلطة بين النخب، بينما تشير «السيادة المتشظية» إلى مرحلة أعمق، لا يعود فيها الخلاف محصوراً في توزيع السلطة داخل الدولة، بل يمتد إلى توزيع وظائف الدولة ذاتها بين سلطات متعددة.
بذلك تشكّل الحرب الأهلية لحظة مفصلية نقلت الأزمة من مستوى العلاقة بين مكونات المجتمع السياسي إلى مستوى العلاقة بين الدولة ومفهوم السيادة ذاته. فإذا كانت المتصرفية أنتجت سيادة مقيدة بفعل توازنات خارجية، والاستقلال أنتج سيادة توافقية بفعل توازنات داخلية، فإن الحرب الأهلية أنتجت سيادة متشظية بفعل انهيار احتكار الدولة لوظائفها.
السؤال المركزي الذي نسعى للإجابة عنه: كيف انتقلت أزمة السيادة في لبنان من التوافق الداخلي الهش إلى تشظي الدولة، وما الذي أضافته الحرب الأهلية إلى التطور التاريخي لمفهوم السيادة اللبنانية؟
ونتناول هنا أربعة محاور مترابطة: الأول يحلل الانتقال من الأزمة السياسية إلى الانهيار البنيوي الذي سبق الحرب؛ الثاني يدرس تشظي وظائف الدولة بين القوى المحلية؛ الثالث يبحث أثر التدخلات الإقليمية والدولية في إعادة تشكيل المجال السيادي؛ والرابع يحلل أزمة الشرعية، حيث لم يعد السؤال من يحكم لبنان فقط، بل من يملك حق تمثيله. ونخلص إلى أن الحرب لم تكن مرحلة انهيار مؤقت، بل أعادت تعريف طبيعة السيادة اللبنانية، وأنتجت تحدياً سيستمر بعدها: كيف تُعاد بناء دولة لم تفقد وجودها القانوني لكنها فقدت احتكارها العملي للسيادة؟
أولاً: من الأزمة السياسية إلى الانهيار البنيوي: لماذا اندلعت الحرب عام 1975؟
لم تكن الحرب انفجاراً مفاجئاً ناتجاً عن حادث أمني منفرد، رغم أن حادثة عين الرمانة في 13 نيسان/أبريل 1975 كانت الشرارة المباشرة لمسار العنف. فالحوادث التاريخية الكبرى لا تُفسَّر بلحظتها الانفجارية وحدها، بل بما سبقها من تراكمات جعلت الانفجار مرجّحاً. وهكذا كان اندلاع الحرب نتيجة مسار طويل من التوترات التي أصابت بنية الدولة والنظام السياسي والمجتمع، حتى عجزت الدولة تدريجياً عن أداء وظيفتها كإطار جامع لتنظيم الاختلافات.
كشفت المرحلة الممتدة من 1943 حتى منتصف السبعينيات أن صيغة الميثاق الوطني حققت استقراراً نسبياً، لكنها لم تتحوّل إلى عقد وطني متجدّد يستوعب التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية. فالنظام قام على تسوية دقيقة بين الجماعات الكبرى، لكنه اعتمد على توازن النخب أكثر من بناء مؤسسات حديثة تتجاوز الانقسامات التقليدية. وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية: نجح النظام التوافقي في منع هيمنة جماعة واحدة، لكنه فشل في تحويل التعددية من واقع اجتماعي إلى نظام مواطنة، فبقيت الجماعات تنظر إلى الدولة من موقعها داخل التوازن الداخلي لا بوصفها إطاراً عاماً متساوياً لجميع المواطنين.
هذا التناقض جعل السيادة التوافقية آلية وفّرت إدارة لمجتمع متعدد، لكنها ربطت استقرار الدولة باستمرار التوافق بين القوى الأساسية. وحين تغيرت الظروف الداخلية والخارجية، لم تمتلك الدولة القدرة المؤسسية لإعادة إنتاج هذا التوافق على أسس جديدة.
شهد لبنان خلال الستينيات وبداية السبعينيات تحولات عميقة: أدى النمو الاقتصادي غير المتوازن إلى اتساع الفجوات الاجتماعية والمناطقية، وبرزت مطالب بإعادة توزيع السلطة والثروة، كما غيّرت التحولات الديموغرافية موازين القوى التقليدية، فشعرت جماعات عدة بأن الصيغة القائمة لم تعد تعكس وزنها الفعلي.
في الوقت ذاته، كان لبنان يعيش تحت تأثير مباشر للصراع الإسرائيلي – العربي. فبعد انتقال جزء كبير من النشاط الفلسطيني إلى لبنان إثر أحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970، أصبحت الساحة اللبنانية أكثر ارتباطاً بالصراع الإقليمي، ولم يعد وجود المقاومة الفلسطينية عاملاً خارجياً بحتاً، بل جزءاً من المعادلة الداخلية، إذ انقسم اللبنانيون حول موقعها ودورها وحدود علاقتها بالدولة.
وهنا برز أحد أبرز مظاهر ضعف السيادة اللبنانية: عجز الدولة عن إدارة مسألة استراتيجية تتعلق باستخدام جزء من أراضيها ومجالها الأمني. فبينما رأت قوى لبنانية في الوجود الفلسطيني امتداداً للصراع القومي وضرورة عربية، اعتبرته قوى أخرى تهديداً لسيادة الدولة وتوازناتها الداخلية. وعجز الدولة عن إيجاد حل مؤسسي لهذا الخلاف كشف مبكراً حدود قدرتها على احتكار القرار السيادي.
لكن المشكلة لم تكن في العامل الفلسطيني أو التدخّلات الخارجية وحدها، بل في هشاشة البنية الداخلية التي سمحت لهذه العوامل بالتحوّل إلى صراعات داخلية. فالدولة القوية تستوعب الضغوط الخارجية ضمن مؤسساتها، أما الدولة القائمة على التوازنات أكثر من المؤسسات فتميل الضغوط الخارجية فيها إلى تضخيم انقساماتها.
ومع بداية السبعينيات، بدأت الدولة تفقد تدريجياً موقعها كمرجعية نهائية للصراع السياسي. فالأحزاب والقوى لم تعد تخوض تنافسها داخل المؤسسات الدستورية فقط، بل بدأت ببناء شبكات تنظيمية وأمنية وعسكرية خاصة بها، وأصبح امتلاك القوة خارج إطار الدولة وسيلة لتحسين الموقع التفاوضي داخل النظام – وهو تحوّل خطير لأنه ينقل الصراع من مجال السياسة إلى مجال الإكراه.
من هنا بدأت المرحلة الانتقالية بين أزمة السيادة التوافقية والسيادة المتشظية: ففي السابق كان الخلاف يدور حول توزيع النفوذ داخل الدولة، أما مع اقتراب الحرب فأصبح الخلاف متعلقاً بقدرة الدولة نفسها على فرض قواعد اللعبة. فالدولة لا تفقد سيادتها فقط عند احتلال خارجي، بل تفقد جزءاً منها حين تعجز عن أن تكون المرجع الوحيد لإدارة النزاعات. وهذا ما حدث تدريجياً في لبنان قبل 1975: بقيت المؤسسات قائمة، لكن قدرتها على فرض التوازنات تراجعت، وبقي الجيش، المؤسسة التي يُفترض أن تجسد وحدة الدولة، محكوماً بقيود سياسية وطائفية جعلته عاجزاً عن لعب دور الحَكَم الحاسم.
وعندما اندلعت الحرب، لم تكن الدولة تواجه مجرد تمرد مسلح، بل أزمة أعمق: أزمة ثقة في قدرتها على حماية جميع مكوناتها. فحين تشعر الجماعات بحاجتها إلى حماية ذاتية، تبدأ عملية الانسحاب التدريجي من الدولة، وتنشأ سلطات بديلة تستمد مشروعيتها من الخوف والحاجة إلى الأمن.
يمكن إذن فهم عام 1975 بوصفه لحظة انتقال تاريخية: لم تكن الحرب بداية انهيار الدولة، بل اللحظة التي ظهر فيها إلى العلن انهيار القدرة على إدارة التعدد داخلها. فقد انتقلت الأزمة من مستوى التناقضات السياسية إلى مستوى الصراع على طبيعة الدولة ذاتها، وعلى الجهة التي تملك حق تحديد قواعد النظام السياسي – وهذا ما سيمهّد للمرحلة التالية، حيث لم تعد المشكلة عجز الدولة عن حل الخلافات فقط، بل تشظي وظائفها الأساسية ذاتها.
* وزير سابق






