الحريري وكرة النار الوفاقية
حجم الخط
دعونا نفكر بصوت عالٍ، في وقت لا ندرك فيه استفحال التداعيات جرّاء ما يخفيه الهمس، وتستتر خلفه الوشوشات،
دعونا نتصارح ونتصالح مع عقول الناس التي باتت في حيرة بعد ان اختلطت لديها الامور، وحاولوا ايهامنا بأنها لم تعد قادرة، بل عاجزة عن التفريق بين الغث والسمين وبين الحقائق والاوهام.
فما نراه على الساحة السياسية فيه الكثير من الاستخفاف بعقول الناس، وفي استغباء قدراتهم في التحليل والاستنتاج،
ذلك ان الوقائع، وما هو للعيان مرئي ومشهود، محال ان تخفيه الاقلام او تلوي اعناقه فنون اللغة في التورية او الطباق والجناس او الهروب الى الامام.
فكله ولدى الكافّة مرصود وبالتقنيّات الحديثة من الانترنت والحاسوب، يعلن عن نفسه، وفي وطننا لا حاجة لنا بها، لان وضوحها منظور بالعين المجرّدة، ومن العبث التلاعب بها او طمس معالمها من شدّة الفجور.
والحديث عن الفجور يطول، فلا يتوقف عند الفساد والاستغلال وصرف النفوذ، وهي من أخطر ما نواجهه من التحديات، ولكن الاخطر منها، الفجور السياسي المفتوح على مصراعيه للفوز بالحصص والحقائب، تأميناً لهذا الاستحقاق وذاك، مما هو مرتقب وآتٍ.
وفي غمار هذا وذاك، تداهمنا الحكومة العتيدة المزمع تشكيلها، وهي عنوان للصراع السياسي بين الكتل، وهي الاساس لتصعيد النزاع والتراشق من اجل تحصين الذات بالمكتسبات.
حكومة يحتاج الوفاق الوطني حولها الى عملية قيصرية ومخاض عسير، لان المطلوب في تأليفها ان تجمع الاضاد، بل الاخوة الاعداء الذين ما ان تصدر مراسيم تشكيلها، حتى يلوح في الافق النزاع والشقاق حول بيانها الوزاري الذي يحتاج الى من له باع طويل من اهل الاختصاص في الدهاء السياسي وبلاغة لغة الضاد والنحت في صخور التوازنات والحفر تحت جبال الاختلافات.
انه العقم السياسي الذي تستتر خلفه المصالح والمطامع والكراسي، ولكن مظاهره وتداعياته تتجلّى في وجوه الناس، وآثاره تبدو في احوال العباد وظروفهم المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، وليس ثمة علاج، او على الاقل من يحسن الجواب على التساؤلات، والتساؤلات مشروعة ومعلومة من اصحاب المقامات، ولكنهم وهم في مواقع المسؤولية لا يعبأون بأحوال الناس القابعة في اهتماماتهم بين فكّي الغياب والضياع.
انهم يختلفون على جنس المقاعد الوزارية وعيونهم شاخصة في الحقائب السيادية، بينما البلاد غارقة في وحول الازمات، وبما تفرزه من تحديات في الملفات الامنية والمالية والاقتصادية ناهيك عن الاجتماعية، واعباء النزوح السوري، وحدّث ولا حرج عن الفساد الذي بات ينخر في الجسم الاداري للدولة بفعل انعدام الهيبة الذي يطيح بمبدأ المحاسبة.
فالدولة يمكن ايجاز وصفها بكلمة واحدة هي الهيبة، وعندما تسقط الهيبة عن من هو مؤتمن على سلامة النظام وحسن انتظام الحق العام، يسقط معها القانون وتحل مكانه شريعة الغاب،
ومع هذا الواقع المؤلم والمرير، تقذف كرة النار في حضن الرئيس الحريري المكلف بتشكيل الحكومة لكي تكون تركيبتها وفاقية ايذانا بفتح الحوار على طاولة مجلس الوزراء ومع أن كل الافرقاء، يتنافسون لكسب السبق في الدعوة الى هذا الحوار، بينما التجارب اثبتت انه بات مجرّد شعار يصمّ الاذان ولا يعدو ان يكون كحوار الطرشان، وذلك لاعتصام كل فريق بمواقفه وشروطه، ومعظمها اما تعجيزي واما يحاكي المضحك المبكي، ولا رجاء منه في التواصل او امل في التلاقي.
وفي ضوء هذا كله، فانه من غير الجائز ان تختبئ هذه الكتلة وتلك وراء «خيال اصبعها» الذي ينحو باتجاه واحد، وهو التصويب على الحقائب،
ثم نجدهم يتغنّون بالديمقراطية والتشبه بها وبعراقتها كما هي في الدول الراقية، ويتناسون ان الديمقراطية لا تتجلى الا بالموالاة والمعارضة، وهما يشكلان المساحة المثلى للديمقراطية، لانه بانعدام المعارضة، تسقط الرقابة ويسحق من جذوره مبدأ المحاسبة، وتصبح كل الملفات خاضعة للتسويات، والكل يعلم ما هي المفاهيم والغايات من التسويات، فهي في ادنى مستوياتها تتم عن طريق الاطاحة بالمبادئ والثوابت والمسلّمات.
واخيرا لا بد من كلمة نسوقها في هذا المقام، مقام تشكيل الحكومة، هي ان الحقائب الوزارية ليست تشريفا او جوائز ترضية، انها عبء وتكليف ومسؤولية، ففي الدول الراقية التي نتشدّق بالتشبه بها، يلفّ الجزع والتهيّب من يتم اختياره لمنصب وزير، لان حمل المسؤولية العامة ثقيل بكل المقاييس، اما في بلدنا فالامر عجيب، حيث تعقد الاحتفالات وتقام الولائم ويلعلع الرصاص.
ومن هنا ندعو الرئيس الحريري، الذي نقدّر له، وعلى الاقل مع كتلته، موقفه بعدم الجمع بين النيابة والوزارة، وندعوه الى تشكيل حكومة مصغّرة وخارج الاصطفافات السياسية لكي ينأى بها عن عوامل تفجيرها من داخلها، لكي يكون همها الاساس معالجة الملفات الامنية والاقتصادية والاجتماعية، طالما ان ثوابت النأي بالنفس عن الملفات الخارجية لا يزال سارياً وفي صلب مواقف الرئيس الحريري،
اما موضوع السيادة وحصر السلاح بيد الجيش والاجهزة الامنية، فحديثه يطول...!!!
*المدير العام للاوقاف الاسلامية سابقاً.






