ثلاث وقائع حصلت في الأيام القليلة الماضية:
1 - وقف إطلاق النار بين اسرائيل ولبنان، اعتباراً من الساعة صفر من منتصف ليل 16 نيسان (الخميس - الجمعة) «كبادرة حسن نية من حكومة اسرائيل، بهدف تمكين مفاوضات جادة نحو اتفاق أمني وسلام دائم بين لبنان واسرائيل، .. وفقاً لمذكرة التفاهم بين البلدين التي نشرتها وزارة الخارجية الأميركية، كأساس استند إليه وقف النار..
2 - إعلان الرئيس جوزاف عون عن وجهة الدولة اللبنانية التي يمثلها مع الحكومة حول وجهة التطورات المقبلة، مؤكداً على حمل كامل المسؤولية، والمضي قدماً في ما يراه «الأصلح» أو «الأصوب» معتبراً المفاوضات المباشرة بأنها ليست ضعفاً بل هي «قرار نابع من قوة ايماننا بحقنا» .
3 - إعلان اسرائيل حجز 55 بلدة وقرية لبنانية، أبرزها مركز القضاء بنت جبيل، والخيام، وعديسة ومركبا والطيبة، وبني حيان والقنطرة، وإدخالها ضمن ما أطلقت عليه «الخط الأصفر» الممنوع عودة السكان إليه، حيث تمضي في عمليات تفجير المنازل والقرى، والإنطلاقة من هناك في ما يمكن اعتباره منطقة العمليات لمنع حزب الله من شن هجمات عليها وعلى جنودها»..
التطورات الثلاثة، أدت الى نقاط تحوّل بالغة الخطورة على المستويات كافة، ومنها: 1 - القطيعة المعلنة بين الدولة اللبنانية، ممثلة بالسلطة الإجرائية (رئيس الجمهوردية + الحكومة) وسائر المؤسسات المرتبطة بها..
2 - العودة المترددة الى مناطق العدوان في الجنوب ، جنوبي الليطاني، وشماله، والبقاع والضاحية الجنوبية، للوقوف أمام مشاهد الترويع التدميري لمظاهر الحياة والعمران، حيثما قصفت ودمرت اليد الهمجية الاسرائيلية، بالدعم المتوافر لها من الجهات الدولية الداعمة..
3 - إعلان الدولة مضيّها في جهود التفاوض، والبحث عن جدول أعمال للمفاوضات على مستوى سياسي من أجل «مفاوضات جادة نحو اتفاق أمني وسلام دائم بين لبنان واسرائيل..
على أن الأخطر في هذا المجال، حسب المذكرة التي نشرتها الخارجية الأميركية إعطاء الحق لإسرائيل القيام بعمليات ضمن الحق مع وقف اطلاق النار..
وجاء في النصّ: تحتفظ اسرائيل بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية...
إضافة الى ذلك «لن تقوم اسرائيل بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة، داخل الأراضي اللبنانية براً وجواً وبحراً...
بالمقابل، وحسب المذكرة «ستتخذ حكومة لبنان خطوات جادة لمنع حزب الله وكافة الفصائل المسلحة غير الحكومية الأخرى الموجودة على الأراضي اللبنانية من شن أي هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف اسرائيلية»..
وشكلت مذكرة التفاهم هذه نقطة تباعد إضافية بين الدولة وحزب االله، ضمن مسارين متباعدين.
ومع ذلك، ليس في الأفق أجواء تصعيد سياسي، ففي كلمته الأخيرة أعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عن استعداد للتعاون مع الدولة من أجل تجاوز المرحلة، مع حرص الرئيس نبيه بري على منع الذهاب الى أي أمر يهز الوحدة الوطنية أو السلم الأهلي.
وضمن سياق المخاطر المحدقة، ثمة خطران داهمان: 1 - انهيار التضامن الحكومي والوطني في مرحلة بالغة الحساسية، وهذا التطور هو الأول من نوعه من الحرب الأولى لإسناد غزة، الى الحرب الثانية لإسناد إيران، بعد اغتيال المرشد السيد علي خامنئي، حيث دخل الحزب في حرب 2 آذار الى لحظة وقف النار..
2 - أما الخطر الثاني، فيتمثل في احتلال مساحة كبيرة، تعيد التذكير بالشريط الحدودي قبل عام التحرير سنة 2000، والبلاد على مشارف الاحتلال بعيد المقاومة والتحرير..
ان مسألة الاحتلال للقرى الـ 55، ستكون ساحة مشرّعة أمام أحداث أمنية وعسكرية يومية، وورقة ضغط على المفاوض اللبناني، الذي، وإن حظي بالدعم الأميركي، إلا أنه عليه أن يتعامل مع واقع احتلال اسرائيل جزءاً من أرضه.
وفي السياق، يؤكد رئيس وزراء اسرائيل أن «قواته ستواصل العمل في منطقة الحزام الأمني بلبنان لإحباط التهديدات الموجهة ضدها، وضد بلداتنا»..
وفي الوقت نفسه يعلن الشيخ قاسم أن المقاومة سترد حسب ما هو مناسب..
وعليه. فهدنة الـ 10 أيام التي تنتهي ليل الأحد - الإثنين، ستكون مهيئة للتهديد، في وقت انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل..
على أرض الجنوب الذي عجزت اسرائيل من تدنيسها مجدداً بجنودها وآلياتها ودباباتها، وعن الأرض التي وقعت ضحية الإحتلال «النتن» والاحتلال «الأسود» لأرض كلف تحريرها الكثير من الرجال والدماء والمعاناة والدمار الرهيب.
على أرض الجنوب المدمر، وترابه المشبع برائحة دم الشهداء، وغبار ما بقي من «نتانة» العدوان تسابق أولاد الأرض الى أرضهم ومنازلهم المدمر منها والباقي، في ولاء أذهل العالم عن تمسك هؤلاء الناس الطيبين الصابرين بأرضهم وأرزاقهم وأمكنة دفن الآباء والأجداد والشهداء، في مشاهد غير مسبوقة، جعلت سكان الشمال الاسرائيلي «يتعايرون» مع أهل جبل عامل، مالكي الأرض وحفظة العرض والشرف والمصير..
دار الزمن دورة كاملة، وصار التفاوض سبيلاً الى استعادة «الأرض المحتلة».
ومع هذه الدورة، آن الأوان لفهم حركة التاريخ وموازين القوى.. «فلا السلطة الرسمية في موقع الخيانة، ولا المقاومة ورقة سلبية بالمطلق» لا بدّ من التفاوض.. ولا بد من المواجهة عند الضرورة.