في حياة كل إنسان معلمون يمرّون عابرين، وآخرون يتحوّلون إلى «بوصلة خفية» ترافقه طوال العمر.
وأنا مدين بالامتنان لكثير من معلميّ ومعلماتي الذين أضاءوا درب المعرفة في مراحل حياتي المختلفة، غير أن ثلاثة منهم تركوا في وجداني أثراً خاصاً، وأسهموا بعمق في رسم مساري الشخصي والمهني والإنساني.
كان الأستاذ قاسم الجراح - رحمه الله - أستاذ الأدب العربي في ثانوية المقاصد (الحرج)، يقرأ محاولاتي الأولى في الكتابة بعين الناقد المحب. لم يكن يكتفي بتصحيح الأسلوب، بل كان يعلّمني أن قيمة النص تكمن في جوهره لا في زخرفه، ويحذّرني دائماً من إغراء «التزويق» اللفظي والانزلاق إلى الشعبوية، دافعاً إياي نحو العمق والجدّية.
ولا أنسى يوم باغتني بسؤال لم أكن أتوقعه: «ألم تفكر في الكتابة المتخصصة في المجال الاقتصادي؟»، دهشتُ يومها، فالاقتصاد لم يكن ضمن اهتماماتي على الإطلاق. حين أدرك ارتباكي، ابتسم وقال بثبات: «دقّتك في تقصّي المعلومة، وقدرتك على الإحاطة بجوانبها المختلفة، تؤهّلانك لتكون محللاً اقتصادياً متميّزاً... وهو مجال يندر من يتقنه بصدق».
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، أجد نفسي غارقاً في البحوث الاقتصادية، وأرى ثمار تلك الرؤية المبكرة تتجلّى في كثير مما أكتب. كانت بصيرة الأستاذ الجراح أبعد مما كان يتسع له خيالي آنذاك، فقد أبصر فيّ ما لم أبصره في نفسي.
في أواخر الستينيات، وأثناء رئاستي لاتحاد طلاب المقاصد، اندلع خلاف طلابي حادّ مع الإدارة كاد يؤدي إلى طردي من الثانوية.
هنا تجلّت حكمة الدكتور هشام نشابة - أطال الله في عمره - مدير التعليم حينها. كان يعرفني عن قُرب، فقاد معالجة متزنة حفظت كرامة الجميع وأعادت الأمور إلى نصابها، بمنطق «لا غالب ولا مغلوب».
وبعد سنوات، زرته في رئاسة جامعة المقاصد لأهديه مجموعة من الكتب، بينها بعض مؤلفاتي. يومها قال لي جملة لم تفارقني حتى اليوم: «لاحظتُ أنك قدمتَ كتب الآخرين قبل كتبك... هذا تواضع نبيل واحترام للذات. تمسّك بهذه الخصلة، فستكون نبراسك في الحياة». كانت كلمات قليلة، لكنها تحوّلت مع الزمن إلى نهج راسخ في نظرتي إلى الناس وإلى نفسي.
كانت علاقتي بالأستاذ بهيج خنكرلي - رحمه الله - ناظر ثانوية المقاصد، قائمة على الصراحة الكاملة. كان حادّ البصيرة، يقرأ التحركات الطلابية بدقّة، ويحذّرني أحياناً من الانجرار وراء اندفاعات يعرف مسبقاً إلى أين قد تقود. وكانت توقعاته تصيب في كثير من الأحيان.
علّمني أن المواجهة ليست قدراً محتوماً، وأن الحكمة والعمل الهادئ قادران على تحقيق الأهداف من دون التفريط بالمبادئ. لكن صرامته الإدارية لم تُخفِ إنسانيته العميقة. الأستاذ خنكرلي، خريج الأزهر الذي انتقل لاحقاً للسلك القضائي الشرعي، منحني واحدة من أغلى الذكريات في حياتي.
ففي مساء الأول من كانون الثاني 1975، متحدّياً القصف وأهوال الحرب الأهلية والخطوط الحمراء بين المناطق، أصرّ على الوصول إلى منزلي في «حي بيضون» في الأشرفية ليعقد قراني بنفسه. لم يكن ذلك مجرد واجب أو موقف عابر، بل تعبيرٌ صادقٌ عن رابطة إنسانية تجاوزت حدود العلاقة التقليدية بين الأستاذ وتلميذه.
بعد كل هذه العقود، ما زلت أكتشف أن بعض المعلمين لا يغادرون «الصف» أبداً؛ يواصلون تعليمنا بصمت، من خلال الأثر الذي تركوه في شخصياتنا وخياراتنا، ونظرتنا الكلية إلى الحياة.
رحم الله من رحل منهم، وحفظ من بقي. فقد علّموني أن التعليم الحقيقي ليس حشواً للعقول بالمعلومات، بل هو إيقاظٌ للوعي، وصقلٌ للشخصية، وبناءٌ للإنسان.