تجديد التسوية: أجوبة ضبابيّة حول الالتزامات والضمانات!
حجم الخط
منظّرون ترامبيون لا يستبعدون إلغاء الاتفاق النووي وأن يكون ضياع القدس الثمن المدفوع
تَسارُع الأحداث في المنطقة يجعل من الصعوبة بمكان تحديد مآل المسارات المستقبلية ونتائجها، لا سيما أن الساحات المشتعلة مترابطة ببعضها البعض، وقد انضم إليها لبنان، بشكل رسمي، بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري في الرابع من تشرين الثاني الماضي والعودة عنها في الخامس من كانون الأول الحالي. فما يحصل وسيحصل في بيروت ليس معزولاً عمّا يحصل وسيحصل في اليمن أولاً، وفي الساحات الأخرى ثانياً.
ثمة ضبابية في المشهد الداخلي. فما بات يطلق عليه اليوم «تجديد التسوية» لا يحمل في الواقع، أي عوامل أو ملامح تجديد أو تعديل، بقدر ما شكّل إعادة إعلان التزام بما تضمنه خطاب القسم لرئيس الجمهورية والبيان الوزاري. وإعادة الإعلان هذه تحمل في طياتها إقراراً جلياً بأن السنة الأولى من العهد والحكومة سلكت درب الانحراف عن الالتزامات المعقودة. والسؤال الذي يُطرح راهناً يتناول مستوى الضمانات التي قدمتها «المكونات السياسية في الحكومة» للالتزام مجدداً بسياسة النأي، والجهات الكافلة لهذه الضمانات.
لا شك أن فرنسا لعبت دوراً كبيراً، بالشراكة والتنسيق مع مصر، في تجنيب لبنان هزّة كبيرة كانت في جانب أساسي منها تتعلق بالبعدين العسكري والأمني، إلا أن ما هو غير واضح، ما إذا كان باستطاعتها حماية لبنان من الهزات الاقتصادية والمالية عبر ترسيخ المظلة الدولية التي تسعى إليها من خلال اجتماع «مجموعة الدعم الدولي للبنان» في باريس اليوم. وما هو غير واضح أيضاً حدود فترة السماح السعودية التي محضتها الرياض للرئيس الفرنسي في مسعاه لفك صاعق اللغم اللبناني، ومدى نجاح الضغوط على طهران لتحييد استخدام الساحة اللبنانية كـ«صندوق بريد» لها في الصراع المحتدم بينها وبين المملكة.
فالتحدّيات أضحت كبيرة أمام لبنان الرسمي الذي أكد تماهيه مع «حزب الله»، وأخذت الحكومة في صدرها مسألة حمايته من خلال تأكيد التزامها - بكل مكوناتها - سياسة النأي بالنفس عن أزمات المنطقة، ولا سيما التدخل في شؤون الدول الخليجية.
الامتحان الأول لم يكن مشجعاً مع موقف نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم من طهران، والذي دعا إلى «ضرورة مواجهة التحدّيات في محور واحد، وهو ما يعطينا القوة، وكل انتصاراتنا هو بسبب محور المقاومة الذي ترعاه إيران، ومهما تقوّى الاستبداد السعودي لا يمكن أن ينتصر في المعادلة، وهذا اليمن صامد منذ ألف يوم رغم كل الجرائم». موقف قاسم هذا استدعى رداً من الحريري اقتصر على اعتبار ما قاله قاسم بـ«غير المقبول»، مكتفياً «بعدم الاستفاضة في الرد كي يعطي فرصة لتثبيت النأي بالنفس». امتحان سيواجهه لبنان على الدوام مع التشكيك بقدرته على صون هذه السياسة وحمايتها في ظل استعار المواجهة التي ستتطلب، عاجلاً أم آجلاً، عودة «حزب الله» عن «تراجعه التكتيكي» حيال إعلان الانخراط في اليمن، في لحظة إدراك لحتمية الخطر الذي كان محدقاً به، ورغبة منه في الحفاظ على حيز الاستقرار الداخلي الذي يمثل ضرورة حيوية له ولبيئته الحاضنة، حيث الضغوط تشتد عليه.
ولا يمكن فصل ما جرى في اليمن من تطورات دراماتيكية، عن واقع الضغوط التي يتعرّض لها «حزب الله» وراعيته إيران. صمتُ الحزب في بيروت قابله انفجار عسكري في صنعاء، وذهاب الحوثيين - الذراع العسكري الإيراني في اليمن - إلى خط اللارجعة في حربهم وإحكام قبضتهم على العاصمة، من خلال قتل حليفهم علي عبد الله صالح بالطريقة التي أرادوا تظهيرها، والذي كان يوفر لهم غطاء سياسياً منذ الانقلاب على الشرعية، وبالتالي لن يكون ممكناً فصل نتائج وتداعيات «المقامرة الحوثية» عن واقع الحزب وارتداداتها عليه وعلى لبنان.
والارتدادات التي لا يزال من المبكر رسم ملامحها، تُجسّدها راهناً خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعلان اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها. خطوة، في التوقيت والشكل والصدمة التي أحدثتها، ستوفر فرصة ذهبية لـ«محور الممانعة» بقيادة طهران، لرفع وتيرة المواجهة من بوابة القدس، ضد «محور الاعتدال العربي» المتحالف مع واشنطن، وكذلك ضد الأميركيين ومصالحهم في المنطقة. فإعلان ترامب يأتي أصلاً وسط حال من الإحباط يعيشها الفلسطينيون الذين يعتريهم القلق من أن يؤول الوضع العربي المتشرذم، والانشغال بالمواجهة مع إيران، إلى مزيد من الاستهداف لهم يُطيح بالقليل المتبقي من «اتفاق أوسلو» ومن حل الدولتين، المستند إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، وسط طروحات تدور في الكواليس عن حل مؤقت للصراع العربي - الإسرائيلي، كان سيُشكّل بحد ذاته، عامل انتفاضة داخلية قبل أن تصب الخطوة الأميركية الزيت على النار الخامدة، التي ستشتعل في موجة جديدة من العنف لا يمكن ضمان حدود تمددها في الإقليم، وكيف ستكون طبيعة الرد الإسرائيلي ومن ورائه الأميركي.
قراءة المقرّبين من الحزب الجمهوري، تعتبر أن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، لا يحمل جديداً، بل هو يُترجم قراراً متخذاً من قبل الكونغرس الأميركي منذ العام 1995، وكان التعهد بتنفيذه جزءاً من الحملات الانتخابية للمرشحين الرئاسيين الذين ما أن يصلوا إلى سدّة الرئاسة حتى يتراجعوا عنه، فيما الرئيس الحالي تعهّد ووفى، لكن تنفيذه لتعهده لم يأتِ كخطوة منفردة، بل في سياق خارطة طريق وضعها من أجل حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي المزمن.
ويذهب هؤلاء إلى الإشارة بأن موقف ترامب تضمّن تأييداً والتزاماً بحل الدولتين، وأنه لم يُقفل الباب على مسألة الحدود المتعلقة بالقدس، والتي ترك تقريرها للمفاوضات بين الطرفين، الأمر الذي لا ينسف مبدأ إقرار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، ولا يشكل انسحاباً أميركياً من رعاية السلام بقدر ما هو مسعى جديّ لإحداث اختراق، عبر «ورقة القدس»، تأتي بالفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات.
قد يكون ذلك في خلفيات المشهد الراهن في العقل الترامبي - الذي يقول المنظرون لصاحبه أنه ملتزم بتنفيذ ما وعد به في حملته الانتخابية - التزام يصل إلى حدود استكمال وعد إلغاء الاتفاق النووي الإيراني، والذي يتخوّف المراقبون من أن يكون هو الثمن المدفوع لضياع القدس، إذا كانت الإدارة الحالية تلعب على الكلام في مسألة حدود السيادة الإسرائيلية على القدس التي يقرأها «الترامبيون» على أنها اعتراف ضمني بعدم وجود سيادة إسرائيلية على كامل القدس، وأن القدس الشرقية ستكون، عبر التفاوض، عاصمة للفلسطينيين!
رلى موفّق






