تُثار مؤخراً في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية نقاشات واسعة حول وضع الطائفة السنية ودورها في الحياة الوطنية، خصوصاً في مرحلة ما بعد غياب بعض القيادات التقليدية وبروز وجوه جديدة تحاول رسم ملامح مرحلة مختلفة. يذهب البعض إلى القول إن هذه الطائفة تعاني من إحباط أو ضياع في البوصلة السياسية، في ظل التحوّلات المحلية والإقليمية. غير أن القراءة الهادئة للواقع اللبناني والإقليمي تُظهر صورة مغايرة تماماً: فليس هناك إحباط بقدر ما هناك إعادة تموضع وتجديد في البنية القيادية، تعكس حيوية هذا المكوّن الأساسي في النسيج اللبناني.
تاريخياً، لم تكن الساحة السنية في لبنان محكومة بقيادة واحدة مطلقة، بل عرفت دائماً تعددية في المرجعيات السياسية والدينية والمناطقية. صحيح أن فترات معينة شهدت بروز زعامات مركزية قوية، إلّا أن التنوّع بقي سمة أساسية للطائفة. اليوم، مع بروز مجموعة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة، يُعاد تشكيل المشهد السنّي على نحو أكثر تنوّعاً، وهو ما يُفهم أحياناً خطأً على أنه تشرذم.
في الواقع، تعدد الأقطاب داخل الطائفة السنية لا يشكّل مشكلة بل مصدر قوة. فالتنوّع السياسي يتيح نقاشاً أوسع ويمنع احتكار القرار من قبل جهة واحدة، كما يعزز المشاركة في الحياة العامة على المستويين المحلي والوطني. هذه الديناميكية تشبه ما عرفته طوائف لبنانية أخرى عندما انتقلت من مرحلة الزعامة الأحادية إلى التعدد القيادي، ما ساعدها على تجديد نخبتها السياسية وإعادة تعريف دورها في الدولة.
ما تمرّ به الطائفة السنية اليوم يمكن وصفه بأنه مرحلة انتقالية طبيعية بين جيلين من القيادات: جيل تاريخي شكّل جزءاً مهماً من المشهد السياسي اللبناني منذ نهاية الحرب الأهلية، وجيل جديد يسعى لتقديم مقاربة مختلفة في التعاطي مع الملفات الوطنية.
هذه المرحلة لا تعني فقدان الاتجاه أو ضعف الحضور، بل تعني تحوّلاً في أسلوب القيادة وفي أولويات الطائفة ضمن المعادلة اللبنانية. فالتجارب السابقة أظهرت أن الزعامات الأحادية قد تُنتج ثباتاً مؤقتاً لكنها تضعف القدرة على التكيّف مع التغيّرات. أما اليوم، فإن التعدد في المرجعيات السنية يفتح الباب أمام منافسة بنّاءة تؤدي إلى بروز قيادات أكثر تمثيلاً لمصالح الناس وأكثر قدرة على التواصل مع الجيل الشاب.
كما أن هذا التحوّل ينسجم مع التغيّرات الاجتماعية داخل الطائفة نفسها، حيث توسّع الطبقة الوسطى، وارتفاع مستوى التعليم، وتزايد حضور المجتمع المدني، وهي عوامل تدفع نحو قيادة جماعية مؤسساتية بدل الارتكاز على الزعامة الفردية.
فمع سقوط نظام الأسد بعد أكثر من خمسين عاماً من الحكم العائلي والأمني، يُفتح أفق جديد أمام عودة التوازن في المشرق العربي، حيث يمكن للطائفة السنية أن تستعيد دورها الطبيعي في إدارة شؤون الدول والمجتمعات.
من هذا المنظور، لا ينظر اللبنانيون السنّة إلى المشهد السوري بعين القلق، بل بعين الواقعية السياسية التي تدرك أن التحوّلات الإقليمية ليست نهاية مرحلة بل بداية أخرى. إن سقوط نموذج «السلطة الأحادية» في سوريا، وعودة مكوّنات المجتمع السوري السنية إلى موقع الفعل السياسي، يُعززان لدى سنّة لبنان شعوراً بأن الدور العربي الوسطي المعتدل الذي يمثلونه لم يختفِ، بل يعاد إنتاجه في سياق جديد.
رغم كل التحوّلات الداخلية والخارجية، بقيت الطائفة السنية ركناً أساسياً في الكيان اللبناني وفي توازناته الدقيقة. فهي، تاريخياً، شكّلت الجسر بين العروبة والانفتاح، وبين الانتماء الوطني والمحيط الإقليمي. لم تغب يوماً عن المؤسسات الدستورية أو عن موقع القرار، حتى في أحلك المراحل التي مرّ بها لبنان.
التيار السنّي في جوهره ما زال يؤمن بالدولة المدنية وباتفاق الطائف كإطار ناظم للحياة السياسية، وهو ما يؤكد أن دوره لا يمكن أن يُختزل في الزعامات أو التحالفات المرحلية. بل على العكس، فإن استمرار الالتزام بالمؤسسات هو الدليل الأوضح على أن الطائفة لم تنكفئ ولم تُصاب بالإحباط، بل تحافظ على حضورها من خلال الدولة، لا من خارجها.
ما يجري اليوم ليس أزمة تمثيل بقدر ما هو تحوّل في الرؤية المستقبلية للطائفة السنية. فالأجيال الجديدة من السياسيين والمثقفين ورجال الأعمال والمجتمع المدني السنّي تسعى إلى صياغة مشروع سياسي متجدّد يقوم على الشراكة الوطنية، والتنمية المحلية، والانفتاح على العالم العربي والدولي.
هذه المقاربة تعكس تطوراً في الوعي السياسي والاجتماعي لدى القاعدة السنية، إذ لم تعد تبحث فقط عن زعيم، بل عن مشروع متكامل يعبّر عن مصالحها وهويتها الوطنية.
كما أن انخراط هذه الفئة في الحوار الوطني، ومشاركتها في مؤسسات الدولة، وتبنّيها خطاباً معتدلاً، كلها مؤشرات على أن الطائفة تتحرك ضمن إطار بناء لا هدمي، وأنها لا تنساق وراء النزعات الانعزالية أو ردّات الفعل الآنية.
إن القول بوجود «إحباط سنّي» في لبنان لا يصمد أمام التحليل الواقعي للمشهد السياسي والاجتماعي. فالمعطيات تشير إلى أن ما يُنظر إليه كضعف أو تراجع ليس إلّا مرحلة من التحول والتجديد، تفرز قيادات جديدة ورؤى مختلفة أكثر انسجاماً مع متطلبات العصر.
تعدّد الأقطاب السنية لا يمثل خطراً على وحدة الطائفة، بل هو علامة على حيويتها واستعدادها للتجدد. أما التحوّلات الإقليمية، وخصوصاً في سوريا، فلا تُثير إحباطاً بل تدفع نحو إعادة التفكير في دور السنة في المشرق والعالم العربي.
من هنا يمكن القول إن الطائفة السنية في لبنان ليست في حالة انكماش بل في حالة إعادة تشكّل إيجابي، يعيدها إلى موقعها الطبيعي كمكوّن أساسي وفاعل في الدولة اللبنانية، وكشريك حقيقي في صياغة مستقبل البلاد على أسس من الاعتدال والانفتاح والمشاركة الوطنية.