كلما اندفع مشروع إجهاد اللبنانيين حتى الرمق الأخير، كلما وجد منهم من يسارع لملاقاته بصدره العاري، دون أن يحسب حسابا لما يجرّ على البلاد من القهر والعذاب، ومن الخسائر التي لا تحتملها الجبال.
ففي غياب الدولة عن دورها، تنهض القوى الشعبية عادة، لملء الفراغ الذي خلفته الدولة في تخلفها عن الدور المناط بها، وتجتهد في جمع المال والرجال والعدة والعتاد للمقاومة. وتخاطر بما في يدها، غيرة منها على حق مسلوب، وعلى أرض منهوبة، وعلى عار يلحق بها، جراء تخلّيها عن دورها في مقارعة الأعداء والمعتدين.
وطيلة العقود الماضية، كان مشروع إجهاد اللبنانيين يندفع بقوة من مجموعة الدول والقوى وأصحاب الغايات الإستعمارية والإستيطانية. فترى كيف تبذل الأموال الباهظة، على كل من يحمل السلاح ويخرج عن إرادة الدولة، فتشيع الفوضى وتتفكك الدولة وتنحل، وتتقطع أنفاسها شيئا فشيئا، وهي تتابع إسقاط المشروع المغرض بحقها وبحق شعبها، تماما كما تتابع بكل مشاق النفس، قوى الفوضى والشرذمة، التي تخلف ورائها، ما لا يحصى، من أنواع التعدّيات التي تنهك الدولة وتبليها، في مسارها، خصوصا حين تأتي الفوضى، بفئة لا يهمّها، إلّا حمل السلاح، دون الإنتباه إلى الضرر الذي يلحقه على الأرض، فيسجل الإنتصار في ملعب الدولة لا في ملعب العدو الذي يعتدي عليها.
بلغ العتو على اللبنانيين، حين صاروا يدفعون فاتورتين لأمنهم، كما في الماء وفي الكهرباء. صاروا يبحثون عن أمنهم الذاتي بكل الوسائل، وهذا لمما يزيد عليهم الكلفة، خصوصا وأنهم لا يلمسون أي تحسّن في أمنهم، ولا في أمن قراهم ولا في أمن بلداتهم، ولا في أمن مجتمعاتهم. ونافت الفوضى على كل شيء وزادت الطينة بلّة، بحيث صار الإنقلاب في المفاهيم وفي المعايير. ودبّ الفساد ودبّت الفوضى، وصار نهب مال الناس، كما المال العام، «على عينك يا تاجر». وغرقت الدولة في «فوضى تاريخية»، تستجر الخراب يوما بعد يوم إلى عقر دارها، جراء الإستهتار الداخلي بها، وكذلك جراء التوحش عليها من الأعداء المتربصين بها.
يحاول العهد الجديد، أن يحدث «خبطة نوعية قوية» على الأرض، لاستعادة هيبة الدولة المفقودة، منذ عقود طويلة. وهو يعي التراكمات السياسية والجيوسياسية عليها. أخذ على نفسه تصحيح المسار، بعدما وجد تأييدا داخليا يحميه، وبعدما وجد تغييرا لصالح الدولة في سياسة القوى العالمية. فاعتبر أن اللحظة التاريخية هي لحظته المؤاتية، وأنه لا يريد أن يضيّعها. ولهذا نادى على حصرية السلاح بيد الدولة، بخطاب العهد التاريخي، ولم يكن في ذلك خجولا ولا حييا. فنال الإجماع الذي ناله، وظل مناديا على العهد الذي قطعه: حصرية السلاح بيد الدولة. وتحرير الأرض، بعهد منه، لا من القوى التي تند عن الشرعية.
تصحيح المسار، إنما هو إمتحان للعهد، كما هو إمتحان لإجماع اللبنانيين عليه. وهو في الوقت عينه، يضع حدّا لمشروع الإجهاد المغرض، الذي ندفع ثمنه غاليا، لا لمشروع الجهاد، الذي يطالب العهد أن يلاقيه:
مدنيا، من حيث الإلتفاف حوله وتقوية موقفه.
وعسكريا، من خلال التآزر والتسليم، بالقوى العسكرية الشرعية.
فهل يستطيع العهد أن يحقق خرقا في هذا المسار؟ أم أن الأمر يحتاج إلى نفس طويل.. خصوصا بعدما اتخذ القرار بتصحيح المسار، على الملأ، ولم يكن ذلك سرا من الأسرار؟
وأخشى ما نخشاه، هو أن تكون تلك القبلة على خد الرئيس، يوم الانتخاب الرئاسي، بعد خطاب العهد، هي من نوع «قبلة يوضاس»!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية