جمهورية الطرشان!
اقتربت الذكرى الثامنة والعشرون لتوقيع الأطراف اللبنانية على اتفاق الطائف في 30 أيلول/سبتمبر 1989، الذي عُرِفَ بـ«وثيقة الوفاق الوطني»، و ختم جرح خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، علماً بأن تطبيق بعض بنوده بشكل مُجتزأ تحت رعاية وتوجيه الوصاية السورية، قد أسّس لتكوين خلل فادح بالتوازن الداخلي اللبناني، الذي لم تكن جميع الأطراف المُوقِّعة عليه تتوقّعه.
فحينها اعتمدت الوصاية على الإجتهاد الذي يلائمها في تفسير وتطبيق الفقرة «1» من البند الثاني بعنوان؛ بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، التي نصت على: «الإعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر…»، معطوفة على الفقرة «ج» من البند الثالث بعنوان «تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي»، التي نّصت على «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الإحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً…»، فتم حينه استثناء سلاح المقاومة لاعتباره إحدى إجراءات التحرير المشروعة.
هنالك تفسيران لعدم اعتراض باقي الفرقاء على هذا الاستثناء في حينه؛ إما أنّ سلاح المقاومة لم يكن يُقلقهم أو إنّ الوصاية مارست عليهم ضغوطاً وازنة بموازات طمأنتهم، وهو المرجّح!.
تراكُم سنوات طويلة منذ عدم تطبيق الطائف وعدم وجود تكافؤ بين الفرقاء، حيث إنّ فريقاً مدجّجاً بعشرات آلاف الصواريخ ومدعوماً بالخبراء الإيرانيين مقابل فريق يدعو تارةً للاعتدال وطوراً للوسطية، يُضاف إليها عدّة عمليات اغتيال وتصفية ووعيد، كما أنّ بعض «الإنتصارات» المفترضة في الجحيم السوري جعلت لدى فريق المقاومة وحلفائهم في التسوية الرئاسية فائضاً كبيراً من القوّة، الأمر الذي أنبت نمطاً جديداً من التخاطب السياسي بين الأطراف اللبنانية المتنازعة – المتساكنة، وعندما شقّ طريقه «الممانع» بات نمط أقرب إلى «تطنيش الآخر» ثم شُنّع فاستفحل وأضحى أقرب الى تراشق تهم، غير موضوعية وغير مترابطة من حيث الزمان والمكان والموضوع، منه الى تخاطب أو نقاش سياسي، وبالحالتين كان النمط محبوكاً بالتكبّر وبالمواربة وببعض من التهديد غبّ الطلب!
الأمثلة عن النمط المستحدث كثيرة أورد منها غيض من فيض:
يقول فريق لآخر؛ عليكم تسليم المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أفضل من توريط حزبكم والبيئة الحاضنة له مع المحكمة الدولية، يريدون هؤلاء قديسين وأشرف خلق الله!
يُقال لهم علينا كلبنانيين النأي بالنفس عن الصراعات الجهنّمية الدائرة في سوريا حفاظاً على استقرار لبنان و الوحدة الوطنية، يردون طريق القدس تمر في حلب وحماه وبغداد وعدن!
يُقال لهم يجب تخفيف اللهجة تجاه المجتمع العربي والدولي والابتعاد عن إيران خوفاً من عقوبات شديدة قد تلحق المصارف اللبنانية والاقتصاد… يردون لا نتعاطى حسابات بنكية وجميع أموالنا نقداً من إيران كما أكلُنا وشربنا ولبسنا!
قبل متابعة السرد استذكرت حديث الطرشان الذاهبين الى رحلة صيد؛
يسأل الأول: شووو رايح عالصيد؟
يرد الثاني: لا والله رايح عالصيد.
فيرد الاول مطْمئناً: إي عال، فكرتك رايح عالصيد!
يُسألون لماذا فاوضتم الدواعش ثم سمحتم لهم بالخروج من الجرود، في حين أنّ مِن بينهم مَن قتل أفراداً من الجيش اللبناني، وهو محاصرهم واقترب من القضاء أو إلقاء القبض عليهم؟ يردّون نريد فتح تحقيق بمفعول رجعي من آب 2014 مع مَنْ كان مسؤولاً عن اعتقال العسكريين. ثم يلي ذلك مطالبة مطبّليهم في الإعلام الأصفر بمحاسبة المسؤولين، ويرمون سهامهم المسنّنة المسمومة تجاه أنزه، أعقل، وأحكم رؤساء الحكومات الذين عرفهم لبنان، تمام بك سلام!
يقولون نريد إعادة العلاقات مع النظام لمصلحة البلدين، يُرد عليهم نريد معرفة مصير آلاف السجناء اللبنانيين في أقبية النظام السوري منذ عقود! فيطنّشون!
وفِي الختام، مسكها مع وزير الخارجية الذي سُئل عن معارك الجرود في حديث لإحدى الصحف المحلية، فأجاب: «عندما تلكأ الجيش أحياناً أخذ حزب الله المبادرة وذهب الى الجرود».. تعليقي: الله المستعان!
أما بعد ما شهدناه من إلغاء تكريم الجيش اللبناني المنتصر الحقيقي في معركة الجرود، فمن المتوقع ألا يتوانى أحدهم عن اختلاق حرصٍ ما أو مصلحة وطنية ما كمبرر لإيحائهم بإلغاء التكريم!
في ما أسلفت ما فيه الكفاية من الانفصام والفجور والطرش المتفشّي في التخاطب السياسي اللبناني.






