رجل المرحلة تشير إليه مواقفه
حجم الخط
لقد عرفتُ الأستاذ صلاح سلام في مواقف عديدة، من مقابلات تلفزيونية ولقاءات اجتماعية كان فيها متميّزا بصدق توجّهاته وعمق صداقاته ورقي تعاطيه مع تلك الأحداث المختلفة التي تشغل بال المواطن العادي الكادح لتحصيل قوته ويعجز عن إقامة أوده، وقد ربطته علاقات مودة واحترام مع جميع من خالفوه الرأي لما تمتع به وما عرف عنه من أدب في الحوار وكياسة وهدوء في إيصال ما يريده، من إيصال للفكرة التي يريد إيصالها حيث يخرج من النقاش مع المحاور وقد تجددت الصداقة وتعمقت العلاقة، فهو هادىء دائما ورزين أبدا، كما عرفته طوال أكثر من خمس عشرة سنة، يستمع بعمق ويجيب بتركيز وباختصار، بعيدا عن الحدّة إذا اعترض، ومتحمسا للرأي إذا وافق، وفي عرضه لمشاكل بيروت ومشاريع الحلول المطروحة لحلها، بدا كما عرفته أيضا ملما بتفاصيل تلك المشاكل وأبعاد حلولها وآليات تلك الحلول بعيدا عن التعقيد الذي يتداوله أصحاب السلطة بشأنها، ولا أنكر أنني قد فوجئت بإحاطة الأستاذ صلاح بتلك المروحة من الإصلاحات في بيروت بل على امتداد الوطن، بيروت التي عاش فيها وترعرع في سكناها، لكنها ما برحت تسكن ضميره الإنساني والمهني، تلك المشاريع الحاضرة للتنفيذ والمعطّلة منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، بسبب الكيدية والإهمال من قِبل السلطات السياسية ونوّاب المدينة ومسؤوليها، لكني عدت وأدركت، وأنا العارف بتلك الشخصية عن قرب، أنّ الأستاذ صلاح لم يأت إلى السياسة من قطاع المال والأعمال كما هو حال الطبقة السياسية السائدة، بل هو قادم من مهنة البحث والتنقيب عن الحقيقة والسعي لإظهارها وإنصاف المظلومين، هو صحفي ملتزم بمهنية لا تزوغ ولا تنحرف، لذلك فقد كان دأبه الإستقصاء، والسعي وراء الحقيقة.
في بداية علاقتي به كان نشاطي في حمل قضية المساهمين والمودعين في تعاونيات لبنان، عندما طرحت عليه الموضوع فوجئت بالحماس المندفع لتبني القضية، وكان تشجيعه لي بغير حدود، فتتابعت مقالاتي لفضح مسببات هذه الأزمة الإنسانية وتشعباتها، فلم يكن ليرد لي مقالة أو يعترض على طرح، بل كان غالبا ما يمدّني بالتحاليل والآراء ويبادرني بعناوين المقالات التي تفتح أمامي سبلا قد تكون غامضة، وخلال تلك التجربة التي أتاحت لي التعرّف على مروحة واسعة من النواب والوزراء والمسؤولين، وجدت أنّ هؤلاء جميعا يجهلون تماما «ما هي مشكلة التعاونيات»، ويطلبون شرحا لها ثم لا يلبثون أن يتناسوه، وكنّا طوال ثمانية عشر عاما نشرح ونعيد الشرح، ولكن أبواب الفهم كانت مغلقة، وكان الأستاذ سلام منذ بداية الطرح ملما بكل التفاصيل، وقد أتاح لنا صفحات «جريدة اللواء» لتكون منبرا لرأي المساهمين والمودعين في تعاونيات لبنان هؤلاء الذي آمن بأنهم ظلموا وجرى السطو على مدخراتهم، حتى بتنا نجهر بأنّ «جريدة اللواء» هي جريدتنا، جريدة المساهمين والمودعين في تعاونيات لبنان الذين وقع عليهم الظلم الأكبر وجرى السطو على مدخراتهم وباتوا يرزحون تحت ذل الحاجة وشظف العيش؛ أمام تلك الحقائق التي لا يزيد فيها حرف واحد لكن قد ينقص الكثير، يحق لي في هذه المرحلة أن أقول «إنّ المواقف والأفعال والأخلاق والمنشأ أيضا تشير إلى الرجل»، ففي هذا الوقت الذي تبحث فيه بيروت عن رجالها يبرز «الأستاذ صلاح سلام» عنوانا للفضيلة شأنه شأن المؤسّسين الأوائل الذين وضعوا أيديهم على جروحات المدينة وسارعوا لمداواتها بالحكمة والسعي والبذل والعطاء «والحقيقة أنّ الرجل تشير إليه مواقفه وأفعاله التي تراه مقلا في الحديث عنها».
محمد صالح أبو الحمايل
«ب. م»






