يحاول بعض الاطراف السياسيين، تحويل قانون العفو العام الذي يناقش في اللجان النيابية المشتركة، عن غاياته الاساسية، من رفع الظلم عن المحكومين لغايات سياسية او مذهبية، او المتروكين بلا محاكمة لسنوات طويلة عمداً او اهمالاً، بذريعة توجهاتهم الدينية المتشددة او غيرها، او حل مشكلة المبعدين اللبنانيين إلى إسرائيل قسراً او طوعا، وتحويله ليشمل قتلة مجرمين، او سارقين او مصنِّعي وتجار المخدرات الذين يوالون هذه الاطراف، برغم عدم الاحقية والتفاوت الكبير بينهم وبقية المشمولين بالقانون، أملاً باستمالتهم شعبياً وانتخابياً لصالحهم.
لم يعد خافياً على احد كيف كانت تتم الملاحقات والاستنابات القضائية وتصدر الاحكام المعلبة، بمجملها ضد معارضي حزب الله والنظام السوري السابق في الاحداث والاشكالات الامنية والعسكرية، التي جرت في لبنان بعد توجيه سلاح الحزب لمصادرة الحياة السياسية بالقوة، والتحكم بمقدرات الدولة، وإلحاق لبنان بالمحور الايراني السوري بالقوة، وتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال الإرهابية ضد زعامات ورموز وطنية ومشاركة الحزب بالحرب المذهبية في سوريا بحجة دعم نظام بشار الاسد، وكانت تُهم الارهاب جاهزة باستمرار لتغطية هذه الملاحقات والأحكام التي تصدر عنها بمجملها، في حين كان يتم التغاضي عن الارتكابات وعمليات الاغتيال والقتل الجماعي التي يرتكبها عناصر من الحزب بالداخل علناً، وتمنع عنهم الملاحقات او تصدر احكام مخففة بحقهم، حتى ولو كانت الادلة ثابتة بحقهم وصدور احكام بإدانتهم، كماحصل بالمدانين في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيرها من عمليات الاغتيال الإرهابية المعروفة.
البعض يعتبر انه من غير المسموح، شمول قانون العفو المرتقب، متهمين بالاعتداء على الجيش اللبناني، وقتل ضباطه وعناصره في أكثر من موقعة جرت في المرحلة الماضية، قد يكون هذا الرفض في محله، ولكن يجب التفريق بين من هو مرتكب فعليا، وقام باستهداف الجيش، وبين من أُلصقت به التهمة زوراً، لاعتبارات سياسية ومذهبية، على ان يشمل ذلك، كل من اعتدى على الجيش أيضا من قبل حزب الله ومن يدور بفلكه تحديداً، وتم التغاضي عن ملاحقته، والامثلة كثيرة، وعملية قتل الطيار سامر حنا المتعمدة يومها معروفة من الجميع، برغم سيناريو المحاكمة الهزيل، لمن انتقاه الحزب يومها ليكون المتهم بالاغتيال، واطلاق النار والاعتداءات ضد مواقع الجيش اللبناني مرات عديدة، ولم تفتح لأسباب سياسية او بحكم قوة الامر الواقع.
خضع العديد من اجهزة وقضاة الدولة وكبار الموظفين، لإملاءات حزب الله والنظام السوري في مرحلة الهيمنة وتسلط السلاح على مؤسسات ومرافق الدولة في المرحلة السوداوية الماضية، ووجهت اما لتطويع المعارضين او للتشفي منهم، او لإضعاف نفوذهم في الحياة العامة، وكانت الملاحقات والملفات المركبة، والأحكام المعلَّبة، التي طالت العديد من مناصريهم ومؤيدهم، من التركة الثقيلة التي خلفتها، وراء قضبان السجون اللبنانية، والتي مايزال كثيرون يعانون من ظلمها ومرارتها، بالرغم من المتغيرات التي حصلت وتلاشي تأثير ونفوذ قوى الامر الواقع السابقة، بعد انتخاب الرئيس جوزاف عون وتأليف حكومة جديدة، وتبدل في نهج وادارة السلطة، عما كان يحصل في المرحلة الماضية.
طرح قانون العفو العام على النقاش الجدي بين مختلف الاطراف، يشكل فرصة مهمة، لرفع الظلم عمَّن صدرت بحقهم احكام جائرة او مركبة، لاسباب سياسية او حزبية، من قضاة مدنيين او عسكريين، مشكوك بنزاهتهم وولائهم للدولة، طوال الحقبة السوداوية الماضية، كما اثبتت الوقائع والمتغيرات في ما بعد، ووجوب مقاربة ملف الموقوفين الاسلاميين بلا محاكمة، من زاوية احقاق الحق، بأن يشمل القانون المرتقب اطلاق كل من أُلصقت به التهمة زوراً، وأن تسرّع محاكمة المتهمين بالادلة الفعلية، بشرط ان تتم مساواتهم بمرتكبي الجرائم الإرهابية والقتل من كل الاطراف وتحديدا من حزب الله، وألَّا يبقى القانون قاصراً، عن تحقيق الهدف الاساس، وهو رفع الظلم عن المحكومين زوراً، لغايات ومصالح سياسية او حزبية، وتحقيق المساواة بين جميع المحكومين والموقوفين، بلا تمييز او استثناءات لأي سبب كان، وقد يكون ذلك صعباً، في ظل استمرار التباينات السياسية القائمة.