يُقال دائماً إنّ «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وربما تكون هذه المقولة صحيحة في لحظات الخطر الوجودي والحروب الكبرى، لكنّ تحويلها إلى قاعدة دائمة يبرّر الصمت عن الأخطاء، ويمنح البعض فرصة استغلال ظروف الحرب لارتكاب تجاوزات إدارية وقانونية واقتصادية تمسّ الناس مباشرة في حياتهم ولقمة عيشهم.
لبنان اليوم يعيش حالة حرب بكلّ ما للكلمة من معنى، ومن الطبيعي أن يتقدّم الهمّ الأمني على ما عداه، لكنّ ذلك لا يعني أبداً تعطيل الرقابة أو السماح لبعض الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات بممارسة الاستنسابية وكأنّ البلاد أصبحت خارج القانون.
وفي هذا السياق، يلاحظ المواطن في أكثر من بلدية وإدارة عامة وجود تخمينات استنسابية للقيم التأجيرية تتجاوز الأصول القانونية والعقود المصرّح عنها والمسجّلة رسمياً، بحيث تُفرض أحياناً أعباء مالية تقترب من قيمة الإيجار نفسه، من دون أيّ مراعاة للأوضاع الاقتصادية أو للركود الذي يضرب الأسواق نتيجة الحرب وما تفرضه من أولويات معيشية قاسية على الناس.
إنّ مثل هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى ظلم المالك و المستأجر، بل تساهم أيضاً في ضرب الدورة الاقتصادية برمّتها، لأنّ ارتفاع الأعباء والرسوم سيدفع حكماً إلى رفع بدلات الإيجار، في وقت لم يعد فيه معظم الناس قادراً على تحمّل أيّ أعباء إضافية. وهكذا نجد أنفسنا أمام حلقة مفرغة من الانكماش الاقتصادي، وإقفال المؤسسات، وتجميد الاستثمارات، وهجرة الرساميل والأعمال إلى الخارج بانتظار ظروف أكثر استقراراً.
ويزداد المشهد خطورة مع استمرار الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، وما تسببه من دمار واسع وتهجير للناس وتدمير للقرى والبلدات، الأمر الذي يفرض على الدولة اللبنانية اعتماد أعلى درجات المسؤولية الاجتماعية والإدارية، لا الذهاب نحو مزيد من الضغوط والرسوم والإجراءات التي تزيد معاناة المواطنين.
من هنا، فإنّ المطلوب من الحكومة والوزارات المعنية التدخّل الفوري لضبط هذا التفلّت الإداري، ومنع أيّ تجاوز للقوانين أو استغلال للظروف الاستثنائية القائمة. فالدولة لا تُدار بالاجتهادات الشخصية ولا بالمزاجية، بل بالقانون والمحاسبة واحترام حقوق المواطنين.
وفي موازاة ذلك، لا بدّ من التذكير بأنّ الإصلاح الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بتفعيل المؤسسات الرقابية والقانونية التي طال انتظارها. ومن أبرز هذه الخطوات إصدار المراسيم التنفيذية للقانون الرقم 664 الصادر بتاريخ 4 شباط 2005 والمتعلق بتعيين «وسيط الجمهورية»، والذي بقي حتى اليوم حبراً على ورق رغم أهميته الجوهرية في حماية حقوق المواطنين، ومكافحة الفساد، وتصحيح أداء الإدارات العامة والمؤسسات الرسمية.
إنّ تفعيل هذه المؤسسة يشكّل خطوة أساسية نحو إعادة التوازن بين المواطن والإدارة، ويمنح كلّ صاحب حقّ وسيلة قانونية عادلة لمواجهة التعسف والاستنسابية، بحيث تصبح مؤسسات الدولة في خدمة المواطن فعلاً، لا أن يتحوّل المواطن إلى ضحية لقراراتها وإجراءاتها.
ومن جهة أخرى، فإنّ تطبيق القوانين، مهما كان ضرورياً، يجب أن يتمّ بروح المسؤولية الإنسانية والاجتماعية، لا بمنطق آلي منفصل عن الواقع. فالتشدّد في بعض الإجراءات الإدارية والأمنية خلال ظروف الحرب والنزوح يجب أن يراعي أوضاع الناس الاستثنائية، وأن ينطلق من فهمٍ حقيقي لمعاناة المواطنين الذين فقد كثير منهم منازلهم وأرزاقهم وأبسط مقومات الاستقرار.
إنّ الدولة التي تطالب المواطن باحترام القانون، مطالبة أولاً بأن تؤمّن له الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية: المأوى، والكهرباء، والمياه، والدواء، والأمن الاجتماعي. فهذه ليست امتيازات، بل أبسط واجبات الدولة تجاه شعبها، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب.
فالحروب لا تُضعف الدول بالقصف والدمار فقط، بل تُضعفها أيضاً حين تتحوّل الإدارة العامة إلى سلطة استنسابية منفصلة عن القانون والعدالة والإنسان.