كيف سيتعامل رئيس الدولة مع الإيجابيات التي أطلقها «رجل الدولة»؟
حجم الخط
بعيداً عن التحليل السياسي والتكهّن والتنظير، وبعيداً عن دراسة لغة جسد الرئيس سعد الحريري ولون ربطة عنقه ومكان وجود ساعة يده، كلها أمور ثانوية عديمة الأهمية، لكنها وللأسف، ملأت صفحات الجرائد والتواصل الاجتماعي، لعل أُريد منها صدع رؤوسنا وحرف أنظارنا عن جوهر المواقف المعتدلة التي أطلقها مقارنةً مع بيان الإستقالة، الذي وُصِف بالصارم والمتشدد، الذي أوضح الرئيس الحريري أنه أراد منه إحداث صدمة إيجابية.
فقد وضع الرئيس الحريري في مقابلته التلفزيونية النقاط على الحروف بطريقة مبسّطة وواضحة، فهو لم يتطرّق الى أي موضوع خارج عن إطار شروط الاتفاق على التسوية الرئاسية - الحكومية، التي ضحّى من رصيده الشعبي من أجل إتمامها، والتي كان أبرز بنودها «النأي بالنفس» عن الصراعات القائمة وعن التدخّل في شؤون الدول لا سيما العربية منها، وهو البند الأساس الذي واصل فريقَا العهد والمقاومة الإخلال به سوياً، بدءاً من توسيع حزب الله رقعة نشاطه من سوريا والعراق الى الكويت والبحرين واليمن، مروراً باجتماع الوزير باسيل بنظيره السوري وزيارات وزراء فريقَيهم الى نظرائهم السوريين بحجج تنمَوية واقتصادية، وآخر فصول الخرق كانت محاولتهم الفرض على الحكومة ان تتواصل وتنسق مع نظام الأسد بحجة أنها الطريقة الوحيدة لعودة النازحين السوريين، الامر الذي يتناقض مع طريقة عودتهم من تركيا والأردن!
رغم عِلم الرئيس الحريري بأن رئيس الجمهورية كان قد طلب من تلفزيون لبنان وأوعز الى محطات أخرى عدم نقل المقابلة وعلّله مصرّحاً بأنّ «الظروف الغامضة لإقامة الرئيس الحريري في الرياض تجعل مواقفه موضع شك والتباس وصادرة بغير ارادة منه»، إلا أن الشيخ سعد وكما هو متوقع أنْ يفعل أي رجل سياسي مسؤول بادر الرئيس عون بالإيجابية، معتبراً إياه بمثابة والد له، وأنه من أكثر الحريصين على الدستور. كذلك وعد بأنْ يقدّم استقالته مباشرةً إليه في قصر بعبدا فور عودته الى لبنان حرصاً منه على الدستور والاعراف.
كما أبدى استعداده للحوار من أجل استكمال التسوية والعودة الى الالتزام بالبيان الوزاري مع التلميح الى احتمال عودته عن استقالته شريطة الإلتزام بالنأي بالنفس بشكل مطلق!
بإستثناء موقف وحيد صدر عن الرئيس الحريري استوقف مؤيديه من جمهور «١٤ آذار» العريض وتحديداً جمهور «تيار المستقبل»، لا بل خيّب آمالهم بعض الشيء، كان حصر عدم تدخّل حزب الله في حرب اليمن كمخرج لحل الأزمة الراهنة من دون التطرق الى هيمنة الحزب على مفاصل الدولة اللبنانية ومشكلة السلاح و»سرايا المقاومة»، أي «الاستراتيجية الدفاعية» بشكلها العام، وجميعها وردت في «إعلان بعبدا» ابان عهد الرئيس ميشال سليمان، الذي وافق عليه جميع الأطراف ووقعوا عليه!
في ظلّ المواقف السياسة التي رافقت المقابلة، ومنها موقف الرئيس عون المرحِّب لما جاء فيها بعدما كان قد منع بثها، والرئيس نبيه بري الذي اعتبر أن «العدول عن الاستقالة فيه عدالة» والدكتور سمير جعجع الذي أكد أنه «ما زال من الممكن إنقاذ التسوية خصوصاً اذا انسحب حزب الله من سوريا..» والتحية الحارة التي خصه بها رئيس اللقاء الديمقراطي ووصفه برجل التسوية والحوار ورجل الدولة، واللافت هنا أن النائب وليد جنبلاط لقّبه برجل الدولة، وهي صفة عادةً ما تمنح لسياسيين أمضوا عقودا طويلة في ممارسة السياسة او الدبلوماسية او الشأن العام. وكذلك فِي ظلّ معرفة القاصي والداني مدى ارتباط حزب الله العضوي بـ»ولاية الفقيه» في إيران، وبالتالي فإن التوقعات شبه المؤكدة تشير الى أنه يستحيل على الحزب أن ينسحب من الحروب الجارية في المنطقة، لاسيما من سوريا واليمن، حتى ولو افترضنا أن أمينه العام يرغب بذلك، وهو الامر الذي سيجعل الحزب يرفض شرط الرئيس الحريري الوحيد لمواصلة التشاور وربما العزوف عن الاستقالة..
فما مصير الصدمة الإيجابية التي أراد إحداثها من خلال بيان الاستقالة والرسائل المسؤولة والجادة والواعدة التي أطلقها «رجل الدولة» وكيف سيتعامل معها رئيس الدولة؟






