لا للتوطين كما لا للتطبيع!
حجم الخط
ما من لبنانيّين يختلفان على وطنية مضمون كلمة الرئيس ميشال عون، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الرافضة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، وهو ما يُتوقّع من كل رئيس حريص على استقلال وطنه والحفاظ على التركيبة الديموغرافية ووحدته الوطنية وفرادته...
وَصلت كلمة رئيس الجمهورية من نيويورك إلى لبنان على صهوة خَيل الفاتح، وما لبث الإعلام أنْ صوّرَها كرد على كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكتحدٍّ له في عقر داره، في حين بات معلوماً للجميع أنّه تمَّ تحريف محتوى كلمة الرئيس ترامب بمعرض ترجمتها، فهو لم يتحدّث عن توطين أو تجنيس، إنّما تحدّث عن ''بقاء النازحين في مكان قريب من بلدهم ليتمكّنوا من العودة إليه والمساهمة في إعادة إعماره''.
رغم التحريف لاقت كلمة الرئيس عون التصفيق والشعبوية المُرَادة منها، والتي بات هو بحاجة إليها بعد قرابة سنة من ولايته التي اتسمت بنوع من البُهتان. لا بأس ولما لا نمنح بعض الزخم لرئيس جمهوريتنا والأقربون أولى بالمعروف، لولا أنّ واقع الأمر يجعل من رمي الإتهامات جزافاً على الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها، في غير مصلحة لبنان لكونها من المتبرّعين الأول بمساعدة النازحين، وقد بلغت تقديماتها في عام 2016 ما يقارب الـ400 مليون دولار أميركي، ناهيك عن مساعداتها العسكرية للجيش اللبناني المتواصلة.
أما بعض الساسة اللبنانيين، ولدى سماعهم ترجمة خطاب الرئيس ترامب، هرعوا مشكورين لاستحضار الفقرة «ط» من مقدّمة الدستور التي تنص على أنّ «أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين، فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتّع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين''، لدحض ما لم يقله ترامب!».
إلى كل مَنْ تساءل «ببراءة» عن سبب بروز شبح التوطين وتنصيبه بمرتبة الأكثر خطورة من الإرهاب التكفيري، علماً بأنّ الإرهاب بقي، أو أُبقيَ، متربّصاً على تخوم الحدود الشرقية لسنوات طويلة، وكاد، كما زعموا، أنْ يهدّد مدناً وقرى الداخل اللبناني إلى أنْ قضى الجيش اللبناني على آخر فلوله في الجرود بغضون أيام قليلة، وعندها تبيّن أنّ تلك الجحافل التي أرعبوا اللبنانيين من خطورتها لا يتعدّى عددها المئات، جاءه الجواب، بالتوازي مع ترجمة كلمة ترامب بشكل مغلوط، على لسان وزير سابق ممانع بقوله؛ «سلاح المقاومة هو الضامن لمنع التوطين ومواجهة الإرهاب وأي استهداف له مشاركة في مشروع التوطين!»
أما الحدث «النيويوركي» الآخر فكان لقاء وزير خارجية لبنان، بناءً على طلبه، بوزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم، و''أتى بسياق العلاقات الطبيعية بين البلدين''، كما ختمت الخبر محطة التيار الوطني الحرّ!
فكانت ''ضربة المعلم بألف ولو شلفها شلف''، وكان وزير خارجيتنا في حكومة استعادة الثقة فقَدَ ثقة ما يقارب نصف الشعب اللبناني مجدّداً!
أما المُلفت في هذا السياق أنّ أحداً من سياسيي الصف الأوّل لم يعترض، بشكل مباشر، على هذا اللقاء ولا أحد منهم تطرّق لغاية كتابة هذه الأسطر إلى تخطّي وزير الخارجية لصلاحيات رئيس مجلس الوزراء، في حين أنّها ممنوحة لرئاسة مجلس الوزراء بموجب المادتين 64 و 65 من الدستور المعدلتين بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990، اللتين تمنحه حق تمثيل الحكومة والتكلّم بإسمها، كما يعتبر مسؤولاً عن تنفيذ ''السياسة العامة'' التي يضعها مجلس الوزراء، ومن الصلاحيات التي يمارسها: وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها....
فهل المقصود من الحَوْكمة التي يمارسها وزير الخارجية منفرداً في رسم وتطبيق سياسة الحُكومة الخارجية إحراج حلفائه وبعض خصومه، الذين تَبنّوا ترشيح الرئيس عون وأدلوا بأصواتهم له، وعلى رأسهم كُتلْ المستقبل واللقاء الديمقراطي والقوات اللبنانية، تجاه مبادئهم ومواقفهم، بالدرجة الاولى، من نظام الاسد منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري ومنذ ثورة الأرز وتجاه قاعدتهم الشعبية الرافضة لأي شكل من أشكال التطبيع مع دمشق في ظل النظام الحالي، أم أنّ المقصود إحراجهم ومن ثم إخراجهم؟!
فؤاد طربيه






