نتنياهو والدولة العميقة: حين يُعيد الشخص تشكيل المؤسسة بدل أن تحتويه
فؤاد بوجي
منذ السابع من تشرين الأول 2023، تعيش إسرائيل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث، بين حرب في غزة امتدت إلى لبنان ثم إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وأزمة سياسية وقضائية داخلية غير مسبوقة يخوضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتوازي. لكن المتابع لهذا المشهد اعتاد سؤالاً بات شبه تقليدي في التحليلات الأخيرة: هل سيغيّر رحيل نتنياهو السياسة الإسرائيلية أم فقط وجهها؟ والجواب الشائع - أن الثوابت الأمنية تتجاوز الأشخاص - صحيح جزئياً، لكنه يغفل ما يجري فعلياً هذا العام: نتنياهو لا يكتفي بالاستفادة من مؤسسات ثابتة، بل يعيد تشكيلها بيده لتصبح جزءاً من معركته الشخصية للبقاء.
فمنذ مطلع 2025، انخرط نتنياهو وحلفاؤه في حملة منظمة ضد ما يسمونه «الدولة العميقة» في إسرائيل، محمّلين المؤسسة القضائية والأمنية والبيروقراطية مسؤولية إخفاقات السابع من أكتوبر، مع إعفاء القيادة السياسية التي كانت صاحبة القرار الفعلي. وقد بلغ هذا الخطاب حداً دفع أكثر من 80 ألف إسرائيلي، بحسب عريضة أطلقها أستاذ قانون دستوري مطلع 2026، إلى المطالبة بفرض عقوبات على رئيس المحكمة العليا والمدعية العامة، على غرار العقوبات المفروضة على قضاة الجنائية الدولية.
والأهم أن هذه الحملة لم تبقَ خطابية: فقد عيّن نتنياهو اللواء المتقاعد ديفيد زيني رئيساً لجهاز الشاباك، وسرعان ما قدّم الجهاز تحت قيادته تقييمات أمنية بدت متوائمة مع مصالح نتنياهو الشخصية، من بينها تقييم ساهم في تأجيل استئناف شهادته في محاكمة الفساد بذريعة «مخاطر أمنية»، وآخر أيّد قانون عقوبة الإعدام الشعبوي الذي اقترحه حزب «عوتسما يهوديت» اليميني المتطرف، بعدما كان الموقف التقليدي للجهاز معارضاً له. بعبارة أخرى، الجهاز الذي يُفترض أن يكون ضمانة رقابية مستقلة صار، في هذه الحالات على الأقل، أداة تخدم توقيت نتنياهو السياسي والقضائي.
أن هذا المسار له كلفة استراتيجية مباشرة: فقد تراجعت جودة التخطيط «War on the Rocks» وتؤكد دراسة حديثة لمركز الاستراتيجي الإسرائيلي مع تضييق دائرة الآراء المستقلة داخل مجلس الأمن القومي، ودُفعت الدولة نحو نمط صراع عسكري شبه دائم بدل الخيارات الدبلوماسية، وصولاً إلى قرارات مصيرية مثل شن الحرب على إيران دون مراجعة حقيقية لبدائل أخرى أو لدروس الإخفاقات السابقة.
هنا يكمن الفارق الجوهري عن الطرح المتداول: المسألة ليست فقط أن السياسات الكبرى - الاستيطان، العقيدة الأمنية، إدارة الصراع مع الفلسطينيين - تبقى ثابتة بصرف النظر عمن يتولى الحكم، بل أن آليات الرقابة والضبط التي يفترض أن تكبح أي قائد، أياً يكن، تتآكل الآن بفعل معركة شخص واحد لتأجيل استحقاقه القضائي وتثبيت بقائه السياسي. فإذا كانت التجربة الإسرائيلية التاريخية تُظهر أن المؤسسات الأمنية أقوى من الأشخاص، فإن التجربة الراهنة تُظهر نموذجاً معاكساً جزئياً: شخص يعيد صياغة قواعد اللعبة المؤسسية نفسها ليبقى فيها.
وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه المرحلة القادمة على إسرائيل ليس فقط: هل ستنتج المعارضة سياسة مختلفة إن وصلت إلى الحكم؟ بل: أي إسرائيل ستخرج من هذه التجربة على مستوى مؤسساتها الرقابية نفسها - دولة تستعيد فيها الأجهزة القضائية والأمنية استقلاليتها التقليدية، أم دولة اعتادت أن يُعاد تشكيل ضماناتها الداخلية كلما تعارضت مع بقاء قائد بعينه؟ فهذا السؤال، لا نتيجة صناديق الاقتراع وحدها، هو ما سيحدد شكل النظام السياسي الإسرائيلي في السنوات المقبلة.






