هل أدرك جعجع لماذا خلق الله الندم؟
حجم الخط
لا تنطوي دعوة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، من قصر بعبدا، وليس من أي مكان آخر، وبعد ان التقت «كتلة «الجمهورية القوية» التي تضاعف عددها (من 7 نواب 2009 إلى 15 نائباً في 2018) الرئيس، وحيث تصف الدوائر المعنية في التيار الوطني الحر، أو تيّار الرئيس عملية المضاعفة هذه «بالتضخم»، الذي يعني في مفهوم آخر «الورم»، وذلك على هامش الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس يُشكّل الحكومة الجديدة، أو ما يحلو للقصر أن يسميها بحكومة العهد الأولى، تنطوي دعوته للاقتداء بالإنموذج الشيعي (ثنائي أمل - حزب الله) في إدارة الدور المسيحي، عبر تقاسم الحصص والتمثيل في الوزارة والادارة، وسائر المناصب التي تعود إلى المسيحيين، مناصفة، وبالمداورة..
لم تقابل دعوة جعجع بالارتياح في صفوف الهيئات القيادية في التيار الوطني الحر، الذي آلت رئاسته الصارمة، والتي يردّد «تياريون» معنيون بممارستها انها تجمع بين الأوتوقراطية (حكم الفرد) والديكتاتورية (سيادة رأي الفرد)، بل شكلت حالة من الامتعاض، والرفض، أخذت تتبلور تباعاً بشن حملة إعلامية لا تزال قائمة على قدم وساق، وعبَّر عنها، بطريقة انكشافية، نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي، المسمى من التيار أو «تكل لبنان القوي» (وهم اسم كتلة التيار وحلفائه والذي تحوَّل من الإصلاح والتغيير إلى «لبنان القوي») في انتخابات نائب الرئيس في المجلس النيابي، عندما دعا إلى عدم جواز كل الكتل، بهدف إيجاد معارضة برلمانية، يتعيَّن ايجادها، لو لم تكن موجودة.
اعتماد مقاربة الثنائي الشيعي (أمل - حزب الله) بدت، وكأنها السلاح الدعائي لجعجع، للدخول في منافسة، لا تؤثر سلباً على «تفاهم معراب» والذي صادف يوم أمس الأوّل (السبت) موعد الذكرى الثالثة لتوقيعه، والذي تقول «القوات» انه هو الذي فتح الطريق امام الرئيس ميشال عون في (31ت1) 2016 للدخول إلى قصر بعبدا رئيساً شرعياً منتخباً، بعد ان كان غادره في (13ت1) 1991، رئيس حكومة انتقالية، وغاصباً للسلطة، ومتمرداً عليها الى باريس.
تدرك «القوات اللبنانية» منذ ان فشل التفاهم الثنائي في جعلها تتقاسم المقاعد المسيحية مع تيّار جبران باسيل، الذي وصف الرئيس نبيه بري حركته الانتخابية من الشمال والجنوب قبل 6 أيّار «بالبرغتة» (أي تشبيهه بالبرغوت)، ان مفاعيل التفاهم المسيحي، أو المصالحة المسيحية لن تظهر على أرض بناء مؤسسات «الادارة المسيحية» لشؤون المسيحيين في الدولة، التي كرسها «اتفاق الطائف» مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، مبقياً على رئاسة الجمهورية للموارنة، ومكرساً رئاسة المجلس النيابي للشيعية، ورئاسة الحكومة للسنّة، واعداً الدروز برئاسة مجلس الشيوخ، لو كتبت له الحياة وقام... من دون إسقاط الطموح «الباسيلي» - الارثوذكسي لأن تكون رئاسته من حصة المسيحيين (رئيسان مسلمان/ رئيسان مسيحيان).
ومع ان تبني «القوات» لتجربة «الثنائي الشيعي» أسقطت سنوات من الحملات، على «الدويلة» والسلاح غير الشرعي، ومصادرة الرأي الآخر.. و«نظام الولاية» وما شاكل من صياغات دعائية، فإن امتناع «التيار الباسيلي» (ما دام الرئيس لم يعد رئيساً لهذا التيار، وان كان هو مؤسسه) يدع «القوات» تضرب اخماساً بأسداس: هل هي محاولة للعزل، إذا كان الإلغاء ليس متاحاً بالمقاييس الشعبية الانتخابية؟ هل هي محاولة «لتقليم الأظافر»، منعاً للخربشة، لاحقا باتجاه الرئاسة الأولى؟ أم هي محاولة ترمي إلى الحؤول دون دخول «القوات» إلى صحن دار الحكم، بعد تجربة الطرفين في «حكومة استعادة الثقة» التي تصرَّف الأعمال اليوم؟
من الخطأ الكبير، الإستهانة بالصراع الدائر اليوم بين طرفي أو أطراف المعادلة المسيحية، فتيار باسيل أو التيار الوطني الحر ماضٍ في طريقه إلى ابعاد خصومه عن الاستئثار بالموقع المسيحي الرسمي، والعسكري والقضائي والاقتصادي والإداري، بعدما تعذر ابعادهم عن المجلس النيابي، بسبب موازين التحالفات والتوزع الشعبي للناخب في الدوائر الانتخابية الـ15 وفقاً للنظام النسبي، الموضوع على الطاولة مجدداً لمنع التعددية في الوسط المسيحي.. و«القوات» لن تقبل بتقليص دورها، الآخذ في القوة، بعدما كانت تتهم ان كتلتها السابقة جاءت بقوة التحالف مع تيّار «المستقبل» والحزب الاشتراكي الجنبلاطي، أي بقوة المسلمين، وليس بقوة المسيحيين؟!
وهي ماضية في إدارة خلافاتها مع «التيار الوطني الحر» بالوسائل كافة، وإن كانت وسيلة الامتداد الشعبي، هي الأنجح، من زاوية ان «للقوات» تاريخ أمتن، وأكثر خبرة في العزف على مطالب الشارع، من أيام «أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار» وسوى ذلك من الشعارات التي مكّنت «القوات» عندما كانت فصيلاً عسكرياً مهيمناً على مقدرات القرار في المناطق الشرقية المسيحية.
وتستعيد مواقع التواصل الاجتماعي، فيديو، يظهر فيه قائد «القوات» سمير جعجع، وعلى الأرجح في فترة ما قبل حرب الإلغاء، وهو يتحدث في اجتماع «قواتي» حاشد حول رفضه المطلق ان يمكّن الجنرال عون (وكان وقتذاك قائداً للجيش ورئيساً للحكومة الانتقالية العسكرية، والتي كانت تضمه مع كل من اللواءين عصام أبو جمرة وادغار معلوف)، من وضع اليد على «القوات اللبنانية»، مظهراً تصميماً اكيداً، على عدم تركه يأخذ «القوات»، فهي أقدم منه، واعرق منه، وأكثر وطنية منه، قائلاً: «ما بقبل، حتى لو بدي قاتل 100 سنة»... معتبراً، ان وصوله إلى رئاسة الحكومة العسكرية كان بسبب دعم «القوات»، متسائلاً: هل أحد منا دعمه أكثر.. معلنا ندمه على دعمه، مؤكداً على خطئه بالقول المأثور: اتقِ شر مَنْ أحسنت إليه..
من المتفق عليه، ان جعجع، الذي خرج من السجن اصلب مما دخل، وخرج من الإعدام أو الاعدامات أو السجن المؤبد بعفو عام، صدر عن مجلس النواب في العام 2005، لن يرضى بأقل من شراكة حقيقية، ان لم يكن باستعادة السيطرة على القرار في زمن السلم، كما كانت عليه الحال في زمن الحرب.
وبصرف النظر عن قدرة جعجع على المواجهة في ظل تحالفات دولية وإقليمية داعمة له، ووسط رغبة أطراف في الداخل في ضمه إلى الحكومة، وانتزاع ما يرغب من مطالب، تقل أو تزيد، فإن الرجل يُدرك أكثر من سواه ان ثمة توجهاً لإخراجه من الحكومة الجديدة، أو العتيدة.
وبصرف النظر عن طبيعة المعركة التي تخاض الآن، فالثابت ان في الأفق معركة قائمة، كانت ولا تزال، وبصرف النظر عمّا إذا كان جعجع اعترف ثانية بخطأ دعم «الجنرال» عون للوصول إلى الرئاسة الأولى، وعرف لماذا خلق الله الندم، بعدما توحدت القوتان المسيحيتان، بوساطة النائب إبراهيم كنعان والوزير ملحم رياشي، الذي خاطب عبر «تويتر» يوماً باسيل قائلاً له: «خد نفس، ما بتحرز اضحك..»، أم لا، فإن شد الحبال مستمر، ومن شأنه ان يرخي بظلاله على تأليف الحكومة مهما حاول المتفائلون التقليل من ذلك، فحصة «القوات» ستتقلص، والتمثيل الوزاري وارد، ولكن بشروط فريق الحكم، وليس بشروط أخرى.
لا عودة إلى الوراء.. فالتاريخ لا يسير القهقرى، وان كان يسير الهوينا.. وجعجع الذي أتاح له السجن في وزارة الدفاع قراءة فلسفية للتاريخ، يقارب بهدوء الموقف، وإن كانت شطحاته بفهم الأحداث التاريخية، تتجاوز شطحات الصوفية كشطحات الجنيد، وابن الفارض وابن عربي، بما في ذلك فهمه اللاتاريخي لولادة الإنموذج الشيعي!






