23 أيار 2026 12:05ص هل من يفتح مضيق هرمز يسيطر على العالم؟

حجم الخط
د. جيرار ديب 

دعت بكين إلى وقف دائم لإطلاق النار في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز «في أسرع وقت ممكن»، وذلك على هامش القمة بين الرئيسين الصيني شي جينيبغ والأميركي دونالد ترامب، كما جاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية الصينية الخميس 14 أيار الجاري.
هي قمة بكين التي دعا فيها الرئيس الصيني نظيره الأميركي، إلى عدم الوقوع في فخّ «ثيوثيديدوس». المصيدة التي ارتبطت بالمؤرخ اليوناني ثيوثيديدوس والذي عمّم تجربة أثينا التي مثّلت في الحقبة اليونانية دولة مهيمنة، واسبرطة تلك الدولة الصاعدة حيث دخلا في حرب طويلة من أجل تكريس النفوذ والحفاظ على المصالح. رغم الإيجابية التي رافقت اللقاء، تحديداً على الصعيد التفاهيمي بين أكبر الاقتصاديات الدولية، لكنّ إشكالية الصدام لم تزل قائمة، في ظلّ وجود ملفات عالقة بينهما، منها ما تحمل أبعاداً تتعلق بالتصور لأي نظام عالمي يجب أن يكون.
يجسّد اليوم مضيق هرمز، في ظلّ إصرار إيران على اغلاقه معضلة ترتبط بمسألة «التزعم» في حال نجحت الضغوط الأميركية على إعادة فتحه، أم تمكنت الصين من ذلك عبر بوابة «المونة» على حليفتها إيران. فهل من دعا إلى القفز فوق مصيدة ثيوثديدوس سيجد نفسه أسير نظرية ماكيندر على ضفاف مضيق هرمز تطبيقاً لنظرية ماكيندر؟
«من يسيطر على قلب العالم يسيطر على جزيرة العالم، ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم بأسره». إحدى أشهر نظريات الجغرافي البريطاني، هالفورد ماكيندر في عام 1904، في علم الجغرافيا السياسية، والتي تهدف إلى تحديد السيطرة على العالم. على ما يبدو لم يعد يشبه العالم الجيوسياسي اليوم ذلك الذي وصفه ماكندر بالأمس، فـ«قلب العالم»، الذي رأى فيه إنها المنطقة المحمية طبيعياً من القوى البحرية بسبب بعدها عن المحيطات ووجود حواجز طبيعية مثل الجبال والمسافات الشاسعة، يحدد اليوم بالسيطرة على ممرات الطاقة، ومضيق هرمز نموذجاً.
شكّل مضيق هرمز مع الحرب الأميركية على إيران ورقة رئيسية من جهة التأثير المباشر على حركة الملاحة الدولية في مضيق يعتبر من الأبرز على سبيل الطاقة. إذ منذ اندلاع الحرب الأميركية على إيران عمل الحرس الثوري الإيراني إلى اغلاقه في وجه السفن التجارية والعسكرية على حدّ السواء. الأمر الذي شكّل ورقة رابحة في يده وضاغطة في الوقت نفسه على الجانب الأميركي الذي عانى الأمرّين من إغلاقه. الأول بسبب ارتفاع أسعار الطاقة على المستوى العالمي، ما ارتدّ تضخماً على الاقتصاد العالمي والأميركي بشكل خاص. والثاني، لا يقلّ أهمية وهو وضع واشنطن عاجزة أمام إعادة فتحه، رغم ممارستها أشكال من الضغوط على طهران وفرض حصار عليها، لكن دون جدوى.
رغم القدرة التدميرية التي قامت بها الطائرات الأميركية على مدى أكثر من 40 يوما متواصلا على كافة مناطق إيران، والاغتيالات التي طالت رأس السلطة في طهران، لكنّ هذا لم يعط واشنطن ورقة رابحة قادرة على وضعها على طاولة التفاوض مع الصيني. فالزيارة لم تكن بحجم الحدث، وطلب وزير خارجية أميركا، ماركو روبيو، من بكين بالتعاون لفتح المضيق كان خطأ استراتيجياً استفاد منه العدو الصيني.
«فتح المضيق»، هو المعضلة التي تتمظهر من خلال نظرية ماكدونالد، والمتعلقة بغلبة السيطرة وفرض النفوذ، لكن مع تبديلات صغيرة ارتبطت بتحديد قلب العالم. ففي الوقت الذي وجد ماكدونالد قلب العالم بالمنطقة الممتدة من شرق أوروبا إلى سيبيريا، اختصرت اليوم بمضيق هرمز المضيق المائي الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان. أصاب ماكدونالد عندما ربط قلب العالم بالأهمية الجغرافيا، لكنّ اليوم يضاف أهمية ترتبط بعصب الاقتصاد العالمي أي الطاقة حيث على ضفاف المضيق يخرج أكثر من 20% من حجم الطاقة الدولية.
في الوقت الذي يستبعد العالم انزلاقية الحرب بين العملاقين، وبينما يعيش حالة الترقّب حول من سيعيد فتح المضيق، تخرج الممرات البرية إلى الواجهة لتعيد تشكيل المشهدية بعيداً عن المضيق وتأثيراته. إذ دخلت التجارة في الشرق الأوسط مرحلة اضطراب لوجيستي غير مبسوق مع تحول «الجسور البرية» عبر المملكة السعودية ودولة الإمارات والعراق إلى شريات بديل لتعويض الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز. يأتي ذلك فيما تواجه شركات الشحن العالمية تكدّسات حادّة وقفزات قياسية في التكاليف.
وضعت أزمة المضيق دول الطوق أمام بدائل قد تقلل في المستقبل من دوره كممر حيوي للطاقة، فكما الجسور البرية، هناك استراتيجية التنويع اللوجستي التي ارتكزت عليها دولة قطر عبر اعتمادها على المنافذ البحرية المباشرة والمفتوحة في دول مجاورة تطلّ على بحر العرب وخليج عمان، مثل استخدام موانىء سلطنة عمان لاستقبال شحناتها وإعادة التصدير عند حدوث أي أزمات في المضيق. بالتوازي تشارك قطر بفعالية في الجهود الدولية والإقليمية لضمان استمرار تدفق الملاحة في المضيق وتدعو إلى إبعاده عن أي توترات جيوسياسية.
مع «تعولم» النظام العالمي لم يعد متاح الوقوع في «فخ ثيوثديودوس»، ولم تعد نظرية ماكيندر تجد لها مكاناً تطبيقياً في هذا العالم الذي أصبح لديه أكثر من قلب في ظلّ تنوع الأدوار لدول بات لها خيارات مختلفة لمعالجة الأزمات. لهذا، فإن استمرار إغلاق المضيق سيدفع حتماً إلى تشظي الأزمة وتناثر أوراق القوة وعدم ربطها بالعملاقين الصيني والأميركي، ليجد العالم أمام قوة إقليمية مؤثرة وفاعلة وقادرة على تخطي الأزمات.