بيروت... بين وهج الذاكرة وانكسار الواقع لماذا أوصلنا أنفسنا إلى هنا؟
محمد جارودي
من أصعب ما يواجهه الإنسان في حياته أن يعود إلى وطنٍ غادره واقعاً، لكنه لم يغادره يوماً بقلبه وروحه. فالغربة، مهما امتدت سنواتها، لا تستطيع أن تنتزع من الوجدان صورة الوطن التي سكنت الذاكرة، بل تجعلها أكثر حضوراً واشتياقاً. يعيش الإنسان بعيداً عن أرضه، لكنه يحملها معه في تفاصيل يومه، في وجوه أحبائه، وفي الأماكن التي ترك فيها جزءاً من عمره، منتظراً لحظة العودة التي يظن أنها ستعيد إليه شيئاً من السكينة التي طال انتظارها.
وحين تحين تلك اللحظة، يعود محمّلاً بسنوات الغياب، وبصورة جميلة رسمها الحنين في قلبه؛ يعود إلى بيروت التي عرفها مدينةً للحياة، وملتقى للأحلام، ومكاناً تتجاور فيه المحبة والفرح رغم كل الصعوبات.
لكن لحظة العودة كثيراً ما تكون مؤلمة، لأنها تضع الإنسان أمام المسافة بين ما احتفظت به الذاكرة وما يراه في الواقع. فالمدينة التي كانت تضج بالحياة تبدو اليوم مثقلةً بالتعب، والوجوه التي كانت تحمل الأمل باتت تحمل أثقالاً لا تُرى. لم تعد الأحاديث تدور حول الأحلام، بل حول الغلاء، والهجرة، وصعوبة العيش، والخوف من مستقبل مجهول.
وأنت تسير في شوارع بيروت، لا تستطيع إلّا أن تطرح السؤال الذي يختصر وجع مرحلة كاملة: لماذا أوصلنا أنفسنا إلى هنا؟ كيف تحوّل وطن كان يوماً منارةً للعلم والثقافة والانفتاح إلى وطنٍ يبحث فيه الإنسان عن أبسط مقومات الحياة؟ وكيف أصبح اللبناني الذي عرف عنه قدرته على النجاح في كل مكان، عاجزاً عن أن يجد الطمأنينة والاستقرار في وطنه؟
قد يكون من السهل أن نلقي اللوم على الظروف، أو على الخارج، أو على تعاقب الأزمات، لكن الحقيقة أن الأوطان لا تصل إلى هذا الحال فجأة. فما نعيشه اليوم هو نتيجة سنوات طويلة من التراكمات: حروب لم تُغلق جراحها، وأزمات سياسية واقتصادية متلاحقة، وخيارات لم تكن دائماً في مصلحة الوطن، حتى أصبح المواطن يدفع ثمن أخطاء لم يكن شريكاً كاملاً في صنعها.
ولذلك، لسنا نسأل اليوم: لماذا كتب الله علينا هذا الواقع؟ فالله سبحانه وتعالى لم يكتب علينا أن نهدر وطننا، ولا أن نمزّق وحدتنا، ولا أن نحوّل حياتنا إلى سلسلة من الأزمات. السؤال الذي يجب أن نتحلّى بالشجاعة لطرحه هو: لماذا كتبنا نحن على أنفسنا هذا الواقع؟ ولماذا أوصلنا وطننا، بأيدينا، أو بصمتنا، أو بتعصّبنا، أو بانقساماتنا، إلى هذا الحد من التعب؟
لقد اعتدنا أن نفتش عن مبررات لأخطائنا، وأن نعلّق مسؤولياتنا على شماعة الظروف، بينما الحقيقة أن كثيراً من جراح هذا الوطن كانت من صنع أيدينا؛ تعصبٌ أعمى، وانقساماتٌ مزمنة، وولاءاتٌ تجاوزت حدود الوطن، ومصالحٌ ضيقة قُدِّمت على المصلحة الوطنية، وصمتٌ في اللحظات التي كان الوطن فيها بأمسّ الحاجة إلى كلمة حق. وهكذا، تراكمت الأخطاء حتى وجد المواطن نفسه وحده يدفع الثمن، من أمنه، ولقمة عيشه، ومستقبل أبنائه.
وما يؤلم اليوم ليس الأزمة الاقتصادية وحدها، ولا تراجع الخدمات، ولا تبدّل صورة المدينة، بل ذلك التعب الذي استقرّ في النفوس. فما قيمة أي شعار إذا كانت أمٌّ تخفي دمعتها خوفاً على مستقبل أبنائها؟ وما قيمة أي مكسب إذا كان ثمنه قلق أب، أو هجرة شاب، أو انكسار حلم إنسان أراد فقط أن يعيش بكرامة؟ أي وطن نريده إذا أصبحنا نرى دموع الناس ولا نتوقف عند أسبابها؟
المغترب يعيش غربتين؛ غربة المكان حين يبتعد عن وطنه، وغربة الشعور حين يعود فلا يجد الصورة التي حملها معه طوال سنوات الغياب. فهو لا يشتاق إلى الشوارع والمباني فقط، بل يشتاق إلى الإحساس بالأمان، وإلى زمن كان فيه الإنسان يشعر أن الغد يحمل فرصة أفضل، لا عبئاً جديداً.
إن قيمة الوطن لا تُقاس فقط بجمال مدنه أو بتاريخها، بل بقدرة الإنسان على أن يعيش فيها آمناً، مطمئناً، متمسّكاً بالأمل. فحين يفقد المواطن شعوره بالأمان، يصبح كل شيء آخر أقل أهمية، لأن الإنسان هو روح الوطن وسبب وجوده.
المشكلة لم تعد في معرفة ما أصاب بيروت، فالجراح باتت ظاهرة للعيان، والوجع لم يعد يحتاج إلى من يصفه أو يعدد أسبابه. المشكلة الحقيقية هي أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بمن أوصل الوطن إلى هذا الواقع، وأن نتحلّى بالإرادة الصادقة لمنع تكراره. فالأوطان لا تنقذها الأمنيات، ولا الخطب الرنانة، ولا تبادل الاتهامات، بل تنقذها المراجعة الصادقة، والضمير الحي، وإعلاء مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
عندها فقط، لن يعود المغترب إلى وطنه باحثاً عن بيروت التي حفظتها ذاكرته، بل سيجد بيروت التي يستحقها أبناؤها؛ مدينةً لا تكون فيها دمعة الإنسان أمراً عادياً، ولا يصبح القلق قدراً يومياً، بل وطناً يستعيد فيه الناس حقهم الطبيعي في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة.فبيروت لا تحتاج إلى من يرثيها، بل إلى من يقرر، بصدق ومسؤولية، ألا يضيف إلى جراحها جرحاً جديداً.






