الإنسحاب على إيقاع روما والبيت الأبيض!
يجتاز لبنان هذه الأيام واحدة من أكثر الاستحقاقات حساسية منذ نهاية الحرب الأخيرة. فالنقاش الدائر حول جدوى المفاوضات لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر بشأن وسائل معالجة أزمة أمنية، بل تحوّل إلى نقاش حول مستقبل الدولة نفسها، وقدرتها على استعادة دورها وقرارها السيادي، وثقة المجتمعيْن العربي والدولي بها.
لقد فاقمت حرب «إسناد غزة» الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي كان لبنان يعانيها أصلاً، وكشفت مدى هشاشة الدولة أمام تعدد مراكز القرار. ثم جاءت حرب «إسناد إيران» لتضاعف حجم الخسائر، بعدما أدخلت لبنان في مواجهة مدمرة تجاوزت قدرته على الاحتمال، وأصابت انطلاقة العهد الجديد في مقتل، فعطلت برامج الإصلاح، وأوقفت مسار التعافي الاقتصادي، وأعادت البلاد إلى دائرة الدمار والنزوح والقلق على المستقبل.
والنتيجة كانت كارثة وطنية وإنسانية غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث. قرى جنوبية دمرت بصورة واسعة، وأكثر من مليون مواطن اضطروا إلى مغادرة منازلهم، فيما وجدت الدولة نفسها أمام تحديات تفوق إمكاناتها المالية والإدارية، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الحكومة للتخفيف من معاناة النازحين وتأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود، في ظل ضعف الموارد وتراجع المساعدات الخارجية.
وسط هذه الوقائع، يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه: إذا كان البعض يرفض خيار التفاوض، فما هو البديل الواقعي؟ وهل يملك أصحاب هذا الموقف خطة عملية تؤدي إلى وقف العمليات العسكرية، وإلزام إسرائيل بالانسحاب، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار؟
حتى الآن، لا تبدو هناك إجابة واضحة. فالشعارات مهما ارتفعت لا تغير موازين القوى، والمواقف السياسية مهما بلغت حدتها لا تفرض وقائع جديدة على الأرض. أما المجتمع الدولي، الذي يملك أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، فلن يتحرك لمساعدة لبنان إذا بدا منقسماً على نفسه، أو عاجزاً عن الاتفاق على رؤية وطنية موحدة لإدارة هذه المرحلة الدقيقة.
إن المفاوضات ليست هدفاً بحد ذاتها، ولا تعني تنازلاً عن الحقوق الوطنية، وإنما هي وسيلة سياسية لتثبيت وقف الأعمال العسكرية، وتأمين الانسحابات الإسرائيلية، وإعادة تفعيل الدور الكامل للدولة الوطنية في المناطق الحدودية، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية ويحفظ السيادة اللبنانية. وقد أثبتت تجارب عديدة أن النزاعات المعقدة تنتهي في الغالب على طاولة التفاوض بعد أن تستنفد الحروب كل إمكاناتها.
من هنا، فإن الرهان اللبناني خلال الأيام المقبلة يتركز على محطتين أساسيتين: نتائج الجولة المقبلة من المفاوضات، الذي ستجري هذا الأسبوع في روما، وما يمكن أن تحققه من تقدم عملي في ملف الانسحاب، ثم الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية الأسبوع المقبل إلى واشنطن، التي تؤكد تقدّم المسار الديبلوماسي، كما من المفترض أن تشكل اختباراً لمدى استعداد الإدارة الأميركية لممارسة ضغوط فعلية على الحكومة الإسرائيلية من أجل تنفيذ التزاماتها، وإطلاق حملة دولية لمساعدة الجيش اللبناني .
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في التعنت الإسرائيلي، أو بطء التحرك الدولي، بل في استمرار الانقسام اللبناني حول قضية تمس الأمن القومي ومستقبل الدولة. فكلما تعددت الخطابات، وتناقضت الرسائل الصادرة من الداخل، تراجعت قدرة لبنان على التفاوض من موقع القوة، وازدادت فرص الأطراف الخارجية في استغلال هذا الانقسام لخدمة مصالحها.
إن أي تفاوض يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى موقف سياسي موحد يمنح المفاوض اللبناني قوة إضافية، ويؤكد أن هدفه هو حماية المصلحة الوطنية، لا خدمة أجندات داخلية أو خارجية متنافسة.
ولذلك، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي اليوم الارتقاء فوق الحسابات الفئوية، والتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية وجودية لا ساحة لتبادل الاتهامات. فالمواطن الجنوبي الذي ينتظر العودة إلى منزله، وصاحب المؤسسة الذي ينتظر استئناف عمله، والشاب الذي يبحث عن فرصة للبقاء في وطنه، لا تعنيه سجالات السياسة بقدر ما تعنيه النتائج العملية.
يبقى المعيار الحقيقي بسيطاً وواضحاً: أي خيار يوقف الحرب، ويحقق الانسحاب، ويعيد الأهالي إلى قراهم، ويفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الثقة بالدولة، هو الخيار الذي يستحق أن يحظى بالدعم الوطني. أما إطالة أمد الانقسام، من دون تقديم بديل قابل للتنفيذ، فلن تعني سوى منح العدو الإسرائيلي ذرائع إضافية لإستمرار العدوان، وإبقاء لبنان رهينة دورة جديدة من الاستنزاف والخسائر.






