إيران أمام اختبار المناطق التجريبية
تجهد طهران عبر الرئيس نبيه بري وحزب الله لتعطيل المسار الذي أنتجه الإتفاق الإطار الموقّع في 26 حزيران/ يونيو المنصرم بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة باستخدام الآلية عينها التي اعتمدت لتعطيل اتفاق 27 نوفمبر 2024 لوقف إطلاق النار الذي انتجته الرئيس بري بصفته الأخ الأكبر لحزب الله مع الموفد الخاص للرئيس جو بايدن "آموس هوكشتاين". يختلف الإتفاقان بالشكل بين تفاوض مباشر وغير مباشر ولكنهما يتقاطعان بالمضمون لدرجة التطابق في نقاط عديدة أهمها التزام الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله كشرط لتحقيق الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة ، واعتماد آلية للإشراف على التنفيذ تتمثل فيها إسرائيل والولايات المتحدة إلى جانب لبنان.
نجح حزب الله ومن خلفه طهران في الإنقلاب على اتّفاق 27 نوفمبر عبر الإستثمار في الطقوس الأبوية لإنتاج السلطة التي رافقت انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة بالرغم من النتائج الكارثية لحرب إسناد غزة. التداعيات المنطقية لكل ذلك تجلت في افتقاد القدرة على اتّخاذ القرار المناسب حيال الإتفاق المذكور، ولاحقاً في تحوّل قرار الحكومة المتخذ في 5 أغسطس من قرار سيادي إلى قرار رعوي افتقد صفة الإلزام والقدرة على المحاسبة.
اليوم يقف لبنان على مشارف تجربة ممائلة إذ تحاول إيران مجدداً تعطيل مسار الإتفاق الإطار الذي ينتظر مباشرة التنفيذ منذ اسبوعين. وفيما يبدو أن "المناطق التجريبية" التي نصت عليها المادة الثانية من الإتفاق الإطار كــ"آلية يجرى من خلالها تنفيذ إعادة الإنتشار المرحلية والمتحقق منها للقوات الإسرائيلية، بالتوازي مع انتشار القوات المسلحة اللبنانية" قد تتحوّل إلى عنوان جديد للصدام ظاهره رفض التفاوض المباشر أو التسويق لثغرات تقنية وحقيقته رفض حصرية السلاح.
لم يتوانَ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لدى استقباله وفداً من قيادات حزب الله اللبناني شارك في مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي عن القول " أن تحقيق السلام في لبنان "غير ممكن إلا عبر إيران". وإذ استند نجاح ايران في تعطيل اتّفاق 27 نوفمبر إلى الإستثمار في إنقسامات داخل مواقع القرار مما أدى إلى إحجام السلطة على المواجهة، فإن النتائج الكارثية للفشل السابق وانفتاح المستقبل على المجهول يشكلان ما يكفي من المنعة الحكومية والإقدام لمواجهة الموقف بالرغم من الموقف المتمادي لطهران وتداعياته على موقف كل من الرئيس نبيه بري وحزب الله.
صحيح أن المناطق التجريبية تشكل اختباراً لقدرة الراعي الأميركي على إلزام إسرائيل بالإنسحاب ولكنها بالتوازي مع ذلك هي اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على تجاوز كل أشكال السقوط التي أظهرتها التجربة السابقة، لا سيما على مستوى وحدة القرار والقدرة على إثبات السيطرة على القوات المسلحة. وبهذا المعنى فإن التقييدات التي تعترض التنفيذ وحدود المخاطرة المقبولة ومعايير النجاح المطلوبة تبقى رهناً بقرار السلطة السياسية الممثلة بالحكومة دون سواها، وأن تطبيق القانون هو المرجعية الوحيدة لمعالجة الثغرات التي قد تعترض التنفيذ.
تتقن إيران لعبة السير على حافة الهاوية وهي إذ امتلكت في السابق القدرة على التمسك بحلفائها والثبات على مواقفها فإن العودة الى الظروف التي أحاطت بتلك النجاحات قد تبدلت وأن المشهد الذي أحاط بإيران قد تشظى. فمع عدم القدرة على تجاوز التداعيات الهائلة لسقوط النظام السوري على الدور الإقليمي لطهران، فإن ما تعيشه بغداد من فصول الحرب على الفساد ومشاهد الأكوام من الدولارات بعد قرار الحكومة العراقية بتجريد الفصائل المسلحة من سلاحها حتى نهاية شهر ايلول /سبتمبر المقبل يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة. هذا وقد رفضت الحكومة العراقية طلبات إيرانية لاستثناء شخصيات مدرجة على قوائم الإعتقال القضائي في إطار تحقيقات بشأن شبهات فساد، كما دعت طهرانَ إلى اعتماد القنوات الدبلوماسية الرسمية لتنظيم زيارات مسؤولين إيرانيين اعتادوا عقد لقاءات سرية في بغداد.
من جهة أخرى لا يمكن تجاهل إعلان حركة حماس يوم أمس حل لجنة العمل الحكومي واستقالة مديرها ونقل صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتأكيد حركة حماس إنهاء كافة الاستعدادات لتسليم اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها في القطاع.
فهل لا زالت إيرانَ التي وقعت اتفاقاً مع الولايات المتحدة التي يقودها الرَّجلُ الذي أقدم على قتل الجنرال قاسم سليماني وإطلاق حربٍ ضدها، والتي تودع الحكومة العراقية حلفاءها السجون وتفترق عنها حركة حماس قادرة على وقف تطبيق المناطق التجريبية في لبنان؟
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات






