في عالم تتزايد فيه التحديات النفسية وضغوطات الحياة، يُعَدُّ الانتحار من أكثر القضايا خطورة وتأثيرًا على المجتمع.
فالإنسان ينهي حياته بنفسه نتيجة للضغوط النفسية الذي يتعرض لها في حياته ظنا منه أنها الطريقة الوحيدة لإنهاء الألم ،فيعمدإلى ارتكاب هذا الفعل بسبب اليأس وعوامل أخرى مثل الإجهاد، الصعوبات المالية أو موت شخص عزيز أو مشكلات في العلاقات الشخصية وغيرها ....
عيتاني
لتسليط الضوء أكثر على خطورة ألأبعاد الإنسانية والنفسية للإنتحار التقت «اللواء» المعالجة النفسية ومدربة تطوير الذات ديالا عيتاني،فكان الحوار الآتي:
تراكمات داخلية
ـ بداية كيف تترجمين لنا الإنتحار؟.لا يمكن أن نعتبر الإنتحار سلوكًا عابرًا أو وسيلة للفت الانتباه، بل هو نتيجة تراكمات من الألم الداخلي الذي يعيشه الإنسان بصمت وألم شديد.
فالشخص الذي يصل إلى هذه المرحلة يكون غالبًا قد استُنزف نفسيًا، وفَقَدَ قدرته على تحمّل الواقع، ليشعر وكأنه لا مخرج أمامه سوى هذا الخيار المؤلم والمفجع.»
تغيرات مزاجية
ـ هل من معطيات تسبق حالة الإنتحار يمكن التنبه لها؟
«بالتأكيد، هناك مُعْطَيات تسبق هذه الحالة، مثل عدم المشاركة في المناسبات الاجتماعية،التغيّرات المزاجية مع الآخرين،الكَآبَة والعزلة الدائمة.
غير أن هذه التحولات كثيرًا ما يتم إهمالها وفهمها بطريقة خاطئة. كما أن السُّخْرِيَة وعدم احترام مشاعر الآخرين قد يدفع البعض إلى الأفكار السلبية مما يسبب الانهيار النفسي.»
نصائح
ـ هل هناك من نصائح محددة؟
«طبعا،فمن الضروري احترام مشاعر الآخرين واتباع جَلَسَات الإِرْشَادٍ النَفْسِيٍّ، سواء في المدارس، أو في المجتمع وخاصة لدى الأهل.
فالمواساة والكلمة الصادقة والملهمة قد يكونان عاملين أساسيين في إنقاذ حياة إنسان يمرّ في أوضاع حرجة ومؤلمة.
كما أن الاستعانة بالمختصين، والتعاطي مع الصحة النفسية كجزء أساسي من الصحة العامة هام جدا.»
ألم طويل
ـ هل يمكن أن نعتبر الإنتحار قرارا» لحظيا؟
«الانتحار ليس قرارًا لحظيًا، بل نتيجة ألمٍ طويل لشخص لم يجد من يسمعه ،وهنا يكمن صلب القضية.
فخلف كل تجربة انتحار يوجد معاناة مخفية وصعبة، وألم عميق لإنسان لم يجد من ينصت إليه.
من هنا، تصبح مسؤولية المجتمع أعمق من مجرد التوعية والإرشاد، لتتضمن بناء بيئة سليمة يشعر فيها الأفراد بالأمان والرضا.»
مرحلة المراهقة
ـ هل هناك من مرحلة معينة أخطر من غيرها ؟
«مرحلة المراهقة من أكثر المراحل خطورة ، لكونها من أكثر الفترات حساسية، إذ يعيش المراهق خلالها نزاعا بين بناء هويته والعمل والانخراط والقبول الاجتماعي.
ففي هذه المرحلة، تزداد المشاعر المرهفة، وقد يسبب التنمّر أو الإنتقاد البسيط بعدم ثقته بنفسه.
وفي أغلب الأحيان يعجز المراهق عن التعبير عن مشاعره، فيلجأ إلى الانعزال عند الشعور بالحزن؛ مما تسيطر الأفكار السلبية عليه.»
ـ كيف يمكن تحصين المراهق؟
«يجب عدم التقليل من شأن مشاعر المراهقين أو التعامل معها باستخفاف، لأن ذلك يعمّق إحساسهم بالوحدة.
لذلك ،من المهم جدا احتوائهم من خلال الحوار المفتوح، وتعزيز الثقة، وتوفير مساحة آمنة للتعبير دون خوف من الحكم أو السخرية عليه.
وضمن هذا الإطار، لا بد من الانتباه إلى أثر وسائل التواصل الاجتماعي مثل منصة «التيك توك»، حيث تنتشر مقاطع تعبّر عن معاناة نفسية مؤلمة وحقيقية لدى بعض المراهقين.
وبالرغم من أن هذه المقاطع قد تبدو عادية للبعض، إلا أنها في كثير من الأحيان تحمل دلالات صادقة ومهمة.
لذلك،فإن التفاعل السلبي أو التجاهل قد يزيد تفاقم الحالة، لذا يجب التعامل مع هذا الموضوع بوعي وعدم إهماله، عبر تقديم الدعم النفسي وتقديم المساعدة عوضا عن السخرية أو الاستغلال أو التنمر.»
ـ ما دور المجتمع للحد من هذه الظاهرة؟
مما لاشك فيه،أنه لا يمكننا اختزال ظاهرة الانتحار في لحظة ضعف عابرة، لأنها نتيجة معاناة طويلة وألم نفسي ومعنوي لم يجد من يحتويه أو يخففه كما سبق أن ذكرنا.
انطلاقا من ذلك،فإن مسؤوليتنا تبرز في أن نكون أكثر إنصاتًا وتعاطفًا، وأكثر وعيًا لأن خلف المظاهر قد تختبئ آلاماً عميقة.
لذا فإن مدّ يد العون، وتقديم كلمة صادقة، قد يكونان كافيين لإعادة الأمل إلى قلبٍ أنهكه الألم العميق.
فالحياة، رغم قسوتها، تظلّ فرصة تستحق التمسّك بها، حين يجد الإنسان من يشاركه وجعه، ويذكّره أنه ليس وحده.»