رامي ضاهر
في الحروب، لا تقتصر الخسائر على الدمار المادي وسقوط الضحايا، بل تمتد لتصيب الجانب النفسي للإنسان، خصوصًا الأطفال والمراهقين الذين يُعدّون الفئة الأكثر هشاشة أمام مشاهد العنف والخوف والتهجير وفقدان الأحبة. فبينما تنتهي المعارك يومًا ما، تبقى آثارها النفسية راسخة في نفوس الصغار لسنوات طويلة، وقد ترافقهم حتى مرحلة البلوغ.
الأطفال في مواجهة الخوف المستمر
يؤكد الأخصائيون النفسيون أن تعرض الأطفال للحرب يضعهم في حالة من التوتر والقلق الدائمين نتيجة سماع أصوات القصف والانفجارات أو مشاهدة مشاهد الدمار والنزوح. ويظهر ذلك من خلال اضطرابات النوم، والكوابيس المتكررة، والخوف من الانفصال عن الوالدين، إضافة إلى التراجع الدراسي وفقدان الشعور بالأمان.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاعات قد يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تستمر الذكريات المؤلمة في ملاحقتهم حتى بعد توقف الحرب، ما ينعكس سلبًا على نموهم النفسي والاجتماعي.
المراهقون بين القلق والعزلة
أما المراهقون، فيواجهون تحديات مختلفة نتيجة إدراكهم الأكبر لما يجري حولهم. ويشرح الأخصائيون النفسيون أن الحرب قد تدفع بعض المراهقين إلى الشعور بالعجز وفقدان الأمل بالمستقبل، خاصة عند انقطاع التعليم، أو فقدان الأصدقاء والأقارب، أو التعرض للنزوح.
من جهتها، تؤكد الدكتورة أن المراهق، باعتباره عصب الحياة والتطور وأساس التغيير، يعيش اليوم واقعًا مرهقًا نتيجة توالي ويلات الحروب، التي تشكل عاملًا مباشرًا في قتل الأحلام والطموحات، ولا سيما لدى الشباب الجامعي بمختلف اختصاصاته، وتلامذة الصفوف النهائية الذين ينتظرون مستقبلهم الأكاديمي والمهني.
وتضيف أن هؤلاء الشباب يواجهون تحديات كبيرة وحالة من الضياع وعدم اليقين، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي تتزامن مع الاستحقاقات التعليمية. وتنعكس هذه المشاعر على منصات التواصل الاجتماعي من خلال مقاطع فيديو ورسائل تعبّر عن السخط والخوف والحسرة على وطن لطالما رسموا له أحلامًا ومستقبلًا أفضل، فلم يبقَ منها سوى وعود معلّقة على جدران باردة.
وتظهر لدى هذه الفئة مشاعر القلق والاكتئاب والعصبية المفرطة، وقد يلجأ بعضهم إلى الانعزال الاجتماعي أو السلوك العدواني كوسيلة للتعبير عن الضغوط النفسية التي يعيشونها. كما أن الشعور المستمر بعدم الاستقرار قد يؤثر في تكوين شخصياتهم وثقتهم بأنفسهم.
اضطراب ما بعد الصدمة... الجرح الذي يبقى
يوضح الأخصائيون النفسيون أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء معاناة الأطفال والمراهقين. فكثير منهم يستمرون في استرجاع الأحداث المؤلمة عبر الكوابيس أو الذكريات المفاجئة، ويعانون من فرط اليقظة والخوف من الأصوات المرتفعة أو التجمعات الكبيرة.
ويضيف الأخصائيون أن بعض الأطفال قد يعودون إلى سلوكيات طفولية سابقة، مثل التبول اللاإرادي أو التعلق المفرط بالأهل، بينما قد يعاني المراهقون من صعوبات في التركيز والتعلم واتخاذ القرارات، الأمر الذي يؤثر على حياتهم الأكاديمية والاجتماعية.
آثار طويلة الأمد على المجتمع
يرى خبراء الصحة النفسية أن إهمال معالجة الصدمات النفسية الناتجة عن الحروب لا يؤثر على الأفراد فحسب، بل ينعكس على المجتمع بأكمله. فالأطفال الذين يكبرون وسط الخوف والعنف قد يواجهون صعوبات في بناء علاقات اجتماعية صحية، كما قد ترتفع معدلات الاكتئاب والقلق والمشكلات السلوكية في مرحلة الشباب.
ويحذر المختصون من أن استمرار هذه الاضطرابات دون علاج قد يؤدي إلى آثار طويلة الأمد تشمل ضعف الإنتاجية، وتراجع التحصيل العلمي، وصعوبة الاندماج الاجتماعي.
أهمية الدعم النفسي بعد الحرب
يشدد الأخصائيون النفسيون على ضرورة توفير برامج دعم نفسي واجتماعي للأطفال والمراهقين فور انتهاء النزاعات، من خلال المدارس والجمعيات والمراكز المتخصصة. كما يلعب الأهل دورًا أساسيًا في احتواء أبنائهم عبر الاستماع إليهم، وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم، وإعادة بناء الإحساس بالأمان والاستقرار في حياتهم اليومية.
ويؤكد الخبراء أن التعافي النفسي من آثار الحرب ممكن، لكنه يحتاج إلى وقت ورعاية متخصصة وبيئة داعمة تساعد الأطفال والمراهقين على تجاوز تجاربهم المؤلمة واستعادة قدرتهم على بناء مستقبل أكثر استقرارًا وأملًا.
فالحروب قد تنتهي بتوقيع اتفاق أو وقف لإطلاق النار، لكن معركة التعافي النفسي تبدأ بعدها، وتبقى مسؤولية جماعية لحماية جيل كامل من آثار الصدمات التي لا تُرى بالعين المجردة.