لم يكن المشهد في السفارة السعودية في بيروت مجرّد احتفال بذكرى «يوم التأسيس»، بل بدا أقرب إلى لقاء وجداني يستحضر ذاكرة قرنٍ من المودّة بين لبنان والمملكة العربية السعودية. كان الحضور السياسي والروحي والاجتماعي الحاشد أشبه بلوحة فسيفساء لبنانية، بألوانها كافة، تجتمع تحت سقف علاقة لم تُبنَ على المصالح وحدها، بل على عاطفة الأخوّة وروابط الانتماء العربي.
منذ عهد الملك المؤسس عبد العريز بن عبد الرحمن آل سعود، نُسجت خيوط تلك العلاقة بخيطين متلازمين: الاحترام والدعم. ويُنقل عن الملك عبد العريز في أكثر من مناسبة تأكيده أن «قوة العرب في وحدتهم»، وأن المملكة حريصة على كل بلد عربي يصون هويته ويحفظ استقراره. وفي مقاربةٍ لافتة للبنان، شدّد الملك المؤسس على أهمية أن يبقى هذا البلد مساحة لقاء لا ساحة صراع، وأن تُصان خصوصيته التعددية في إطار عروبته الجامعة. تلك الروح المبكرة رسمت مساراً استمر في عهود أبنائه الملوك، فتعزّزت أواصر الثقة وتعمّق التعاون بين البلدين.
حين عصفت الحرب بلبنان، لم تكن المملكة بعيدة عن المعاناة اللبنانية. وعلى أرضها وُلد إتفاق الطائف الذي أعاد للدولة مرجعيتها، وثبّت الدستور، وفتح باب الخروج من نفق الدم. كان ذلك تتويجاً لدورٍ لم ينقطع، بل استمر عبر دعم سياسي واقتصادي أسهم في إعادة الإعمار وترميم ما تهدّم في الحجر والبشر.
اقتصادياً، شكّلت الاستثمارات السعودية رافعة أساسية لقطاعات حيوية في لبنان، من المصارف إلى العقارات والسياحة، وأسهمت في تحريك عجلة النمو وخلق فرص عمل. كما احتضنت المملكة مئات آلاف اللبنانيين الذين وجدوا فيها فضاءً للعمل والاستقرار، فكانوا بدورهم جسراً بشرياً لتعزيز العلاقات الأخوية بين البلدين. وخلال سنوات الحرب، قدّمت الرياض تسهيلات إنسانية وإقامات استثنائية للبنانيين الفارّين من العنف والخوف، في خطوة عكست بُعداً أخوياً وإنسانياً يتجاوز الحسابات السياسية.
لقد رسم السفير وليد بخاري في كلمته لوحة زاهية للعلاقات الأخوية والتاريخية مع وطن الأرز، وزيَّنها بإشارة ذكية عن المكانة المميزة التي حققتها المملكة على مختلف الأصعدة العربية والإسلامية، الإقليمية والدولية عبر رؤية الأمير محمد بن سلمان ٢٠٣٠.
فقد رسّخت المملكة مكانتها لاعباً محورياً في معالجة أزمات المنطقة. واستضافت الرياض قمماً عربية وإسلامية ودولية ناقشت قضايا مصيرية، من النزاعات الإقليمية إلى تحديات الأمن والطاقة، مؤكدة حضورها الدبلوماسي وقدرتها على جمع الفرقاء حول طاولة الحوار.
الواقع أنه حين يجتمع اللبنانيون في رحاب سفارة المملكة احتفاءً بيوم التأسيس، فهم لا يحيّون ذكرى تاريخية فحسب، بل يجدّدون عهداً من المودّة المتبادلة. إنها علاقة تشبه البحر بين شاطئين عربيين: قد تعلو أمواجه أحياناً، لكن عمقه يبقى ثابتاً. وفي زمن التحديات، تبقى هذه الأخوّة ركيزة أمل للبنان، وفرصة دائمة للعودة إلى منطق الدولة والوحدة، تحت سقف الدستور وروح العيش المشترك التي آمنت بها الرياض منذ البدايات، وكرَّسها إتفاق الطائف.