بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 حزيران 2026 12:30ص مفاوضات إيجابية أم حسابات إيرانية!

حجم الخط
نجحت الاتصالات العربية والغربية المكثفة، مدعومةً بتدخل مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تحييد بيروت والضاحية الجنوبية مؤقتاً عن دائرة الاستهداف الإسرائيلي، ما أتاح استمرار جلسات التفاوض في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، وأبقى في الوقت نفسه نافذة الحوار الأميركي – الإيراني مفتوحة.
وفي وقت تكثف الدولة اللبنانية جهودها الديبلوماسية والسياسية لوقف آلة الدمار والتهجير الإسرائيلية في الجنوب، يواصل حزب الله مواجهته العسكرية غير المتكافئة مع إسرائيل. وقد تزامنت عمليات إطلاق الصواريخ خلال الأسابيع الأخيرة مع محطات تفاوضية حساسة، الأمر الذي عزز الانطباع لدى شريحة واسعة من المراقبين بأن الحزب يسعى إلى التأثير في مسار المفاوضات ومنع أي محاولة لفصل الملف اللبناني عن الحسابات الإقليمية الأوسع، وفي مقدمتها المفاوضات الإيرانية – الأميركية.
التصعيد الميداني الأخير، وما رافقه من تهديدات باستهداف بيروت والضاحية، رفع منسوب القلق لدى اللبنانيين، ولا سيما أبناء الجنوب الذين يدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبل مناطقهم. وفي المقابل، تبرز المفاوضات الجارية كفرصة نادرة لتثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام معالجة أوسع تشمل انسحاب الجيش الإسرائيلي من القرى المحتلة وتعزيز انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
في هذا السياق، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تخوض محاولة جدية لانتشال البلاد من دوامة الحرب المفتوحة، انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه شعب أنهكته الأزمات الاقتصادية والانهيارات المتلاحقة. غير أن نجاح هذه المحاولة يبقى مرتبطاً بمدى استعداد جميع الأطراف اللبنانية للتعامل مع اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة لإنقاذ ما تبقَّى من مقومات الاستقرار الوطني.
اليوم، يواجه حزب الله استحقاقاً سياسياً ووطنياً لا يقل أهمية عن أي مواجهة عسكرية. فالمطلوب ليس فقط قراءة موازين القوى الإقليمية، بل أيضاً الإصغاء إلى نبض البيئة الجنوبية والشيعية التي تعيش تحت وطأة الخوف من حرب طويلة الأمد قد تُفضي إلى مزيد من الدمار والنزوح والخسائر البشرية والاقتصادية.
ولعل تصاعد الأصوات الجنوبية، وبينها أصوات من داخل البيئة الشيعية نفسها، المطالبة «بإعلان النبطية وصور منطقتين آمنتين ومفتوحتين تحت سلطة وحماية الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيدها»، يعكس تحولاً جدياً في المزاج العام وإدراكاً متزايداً لحجم المخاطر التي تواجه المنطقة. فهذه الدعوات لم تعد مجرد مواقف فردية أو عابرة، بل أصبحت تعبيراً عن قلق جماعي على مستقبل الجنوب وأهله وهويته، ودعوة ملحَّة لإعادة الحسابات وترتيب الأولويات.
يبقى أن نجاح أي تسوية محتملة يتطلَّب تغليب المصلحة الوطنية اللبنانية على أي اعتبارات أخرى، لأن استمرار المواجهة المفتوحة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الخسائر. وبين فرصة إنقاذ الجنوب ومنع انهياره الكامل، وخيار المضي في حرب استنزاف طويلة، «يحتاج السياسي إلى القدرة على التنبؤ بما سيحدث غداً، والأسبوع المقبل، والشهر المقبل، والعام المقبل، ثم امتلاك القدرة لاحقاً على تفسير سبب عدم حدوث ذلك»، كما ورد على لسان وينستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا السابق.
في وقت يقف لبنان أمام لحظة مفصلية ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، يبقى الرهان على القوى السياسية اللبنانية، الرسمية والحزبية، لتتحمل مسؤولياتها في تحديد مصير أجيال كاملة في المستقبل!