بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 حزيران 2026 12:15ص عبدالله بن حمد العطية خلَّدتَ اسمك كرجل دولة

حجم الخط
بكثير من الأسى والحزن، تلقّيتُ نبأ وفاة الأخ والصديق الصدوق المرحوم بإذن الله تعالى معالي السيد عبد الله بن حمد العطية بعد مسيرة حفلت بالعطاء والإنجاز، واستحقّ فيها أن يلقّب برجل دولة من طرازٍ متقدّم.
لقد خسرت دولة قطر كما خسر لبنان والوطن العربي بوفاته شخصية نادرة، لما كان يمثله هذا الرجل الودود والصادق والمحب، من خصال شخصية تقرِّبه من الناس، وقيمة إنسانية وحيوية متدفقة ومحبة للأخرين، قطريين كانوا أم عرباً، وعلى وجه الخصوص للبنانيين. وهو الذي كان يبهر الجميع بكونه لا يُشَقُّ له غبار في معرفة الأشخاص والعائلات والأحداث في لبنان.
أذكره كما يذكره الكثيرون في قطر ولبنان، وفي أنحاء عديدة في العالم العربي، لما كان يتمتع به من خبرة واسعة اكتسبها عبر مسيرة طويلة في خدمة دولة قطر، تميّزت بسعيه الدؤوب لترسيخ نهضتها الحديثة. فلقد بدأ عمله بوزارة المالية والبترول في العام 1972، وتدرّج سريعاً في سلم الوظائف الحكومية قادته إليها جدارته وكفاءته إلى أن عيّن وزيراً للطاقة والصناعة في العام 1992، ثمَّ في تعيينه بعد ذلك نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بمنصبه كوزير للطاقة والصناعة حتى العام 2011. وحيث بادر بعد ذلك، وفي مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، إلى تأسيس مؤسسة عبد الله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة كمؤسسة غير ربحية مستقلة.
لقد شكَّل الراحل الكبير علامة فارقة وكبيرة من علامات انفتاح دولة قطر على العالم العربي، وبالتالي كان رمزاً للتلاقي والأخوة العربية الصادقة والمنفتحة، وقدَّم بذلك نموذجاً متميّزاً بسعيه الدؤوب لتعزيز الاستقرار والتنمية في العالم العربي.
لقد تسنّى لي أن أتعرّف عليه في أول زيارة قام بها الوزير عبد الله للرئيس رفيق الحريري في الأسابيع الأولى لتولّي رفيق الحريري رئاسة حكومته الأولى في نهاية العام 1992، وحيث حرص دولة الرئيس الحريري أن أكون معه في هذا اللقاء، الذي وضع أسساً لتعزيز العلاقات بين البلدين الشقيقين، ومن ذلك ما يتعلّق بقطاع الطاقة في لبنان. ومن ثمَّ تكرّرت اللقاءات مع الوزير عبد الله في كثير من المناسبات على مدى هذه الفترة الطويلة، أكان ذلك في لبنان أم في الدوحة قطر، وحيث كان دائماً مثال الإنسان المسؤول المحب لبلده، وكذلك المحب للبنان واللبنانيين. محبته كانت عابرة لجميع الطوائف والمذاهب في لبنان، وهي قد تخطَّت جميع الحواجز والانقسامات السياسية. وهو كان دائماً الساعي الدؤوب لتعزيز علاقات دولة قطر مع لبنان واللبنانيين، وحيث لم يدَّخر وسيلةً ولا مناسبةً من أجل الإسهام في إقدار لبنان لكي يستعيد نهوضه وألقه، لدرجة انه تحوّل علامة فارقة في محبة الشعب القطري الشقيق للبنان، وفي العمل لمساعدته والوقوف إلى جانبه في المسلمات، والداعم أيضاً للبنانيين العاملين في قطر. وكان من جملة ما قام به الوزير عبد الله، إسهامه الكبير والمشهود في إنشاء المدرسة اللبنانية في قطر.
أذكر في هذه المقام، وبكثيرٍ من التقدير، الاستجابة الكريمة من الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتمني الذي أبديته له في العام 2005 في أول زيارة رسمية لي لدولة قطر في أن يكون لقطر بصمة ثقافية وحضارية في العاصمة بيروت، وتحديداً في أنْ تُساهم دولة قطر في إعادة إحياء المكتبة الوطنية في قلب مدينة بيروت. ولقد استجاب سموّه فوراً لهذا التمني، وبدأت الاستعدادات العملية من اجل بناء هذا الصرح الثقافي الهام. وفي هذا الصدد، أذكر لفقيدنا الكبير عبد الله بن حمد العطية دوره الداعم خلال زيارة كنت أقوم بها لدولة قطر في العام 2009، حيث دعاني سموّه لتناول طعام الغذاء مع زوجتي وزوجته الشيخة موزة في دارته، والتي دعا إليها أيضاً معالي الوزير عبد الله بن حمد العطية. ولقد اقترح الوزير عبد الله حينذاك، وعمل على إقناع صاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر الحضور شخصيا إلى بيروت لتتولى بنفسها معي في وضع حجر الأساس للمكتبة الوطنية التي تولت قطر إعادة ترميمها وإعادتها منارة ثقافية إلى الحياة بشكل حديث يحاكي التطور، وهو ما حصل بتاريخ 10/5/2009. وها هي المكتبة الوطنية في بيروت قد أصبحت معلماً ثقافياً مشعّاً ومتميّزاً، والتي تشهد على الدور الأخوي الكبير لدولة قطر ولصاحب السموّ الأمير الوالد وللشيخة موزة بنت ناصر.
رحم الله فقيدنا الغالي، رجل الدولة عبد الله بن حمد العطية وأسكنه فسيح جناته وجعل ذكراه الطيبة عطرا فائحا في قطر ولبنان وكل أرجاء الوطن العربي.
وإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون.