بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 حزيران 2026 12:05ص العدالة المتأخرة وجهٌ آخر من أوجه الظلم

حجم الخط
لا يقتصر حق التقاضي، الذي كفلته الدساتير والمواثيق الدولية وكرسته الأنظمة القانونية الحديثة، على تمكين الأفراد من اللجوء إلى القضاء وعرض نزاعاتهم أمام المحاكم المختصة، بل يشمل كذلك حقا ملازما له يتمثل في الحصول على حكم قضائي ضمن مهلة معقولة. فالعدالة ليست مجرد أحكام تصدر، بل حقوق تصان ومراكز قانونية تحسم في الوقت المناسب. لذلك استقر الفقه والاجتهاد المقارن على أن العدالة التي تتأخر موجب منطقي تفقد جانبا من قيمتها، لأن الحق الذي يبقى معلقا لسنوات قد يصبح عديم الجدوى، ولأن الانتظار المفرط يتحول في ذاته إلى عبء يثقل كاهل المتقاضين ويقوض الثقة بمؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، نرى أن سرعة الفصل في الدعاوى، من دون تسرع أو إخلال بضمانات الدفاع، تشكل إحدى الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة وعنصرا جوهريا من عناصر الأمن القانوني والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فالمتقاضي لا يلجأ إلى القضاء طلبا لحكم نظري، بل سعيا إلى حماية حق أو دفع ضرر أو حسم نزاع يؤثر في حياته ومصالحه ومستقبله.
وفي لبنان، بات التأخير في الفصل بالدعاوى من أبرز التحديات التي تواجه مرفق العدالة. فكثيرٌ من القضايا المدنية والتجارية والعقارية والجزائية والإدارية تمتد لسنوات طويلة قبل بلوغ خواتيمها، الأمر الذي يجعل التقاضي بالنسبة إلى العديد من المواطنين رحلة شاقة ومكلفة. ومهما تعددت المبررات، ويصعب اعتبار انتظار الخصوم لسنوات طويلة أمرا ينسجم مع مفهوم العدالة الناجزة ومقتضياتها أو مع الدور الذي يفترض بالقضاء أن يؤديه في دولة القانون.
غير أن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تنطلق من تحميل القضاة مسؤولية الأزمة، لأن التأخير في البت بالدعاوى هو نتيجة تفاعل عوامل بنيوية وإدارية وإجرائية ومالية متشابكة، تتوزع مسؤوليتها بين مختلف السلطات والجهات المعنية بإدارة العدالة. كما أن عددا من القضاة حرصوا ويحرصون على تأدية رسالتهم في ظروف صعبة ومعيشية استثنائية أسوة بغيرهم من الشرفاء في هذا الوطن، وواجهوا أعباء تفوق بكثير الإمكانات المتاحة لهم.
لقد عانى القضاء اللبناني من الناحية البنيوية، لعقود من نقص في عدد القضاة مقارنة بحجم النزاعات والملفات المعروضة أمام الدوائر والمحاكم، ومن تدخل سافر في شؤونه، كما من تأخر في ملء الشواغر وإجراء التشكيلات القضائية، فضلا عن محدودية الموارد المخصصة لهذا المرفق الحيوي. كما أن غياب آليات متطورة لتوزيع الملفات وتقييم الأداء أدى كل ذلك إلى تراكم القضايا في بعض الدوائر والمحاكم إلى حد يفوق قدرتها الاستيعابية.
ومن الناحية الإدارية والتقنية، لا تزال الدوائر القضائية والمحاكم تعمل بوسائل تقليدية تفتقر إلى متطلبات الإدارة الرشيدة والحديثة. فالاعتماد الواسع على الملفات الورقية وضعف التجهيزات التقنية وغياب الأرشفة الإلكترونية الشاملة يؤدي إلى هدر الوقت والجهد ويزيد من احتمالات التأخير وصعوبة متابعة الملفات وتعقب مسارها الإجرائي.
كما فاقمت الأزمات الوطنية المتعاقبة هذه المشكلات. فالانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي منذ عام 2019، وما رافقه من تراجع حاد في القدرة الشرائية، إضافة إلى تداعيات جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، كلها عواملٌ أسهمت في إرباك العمل القضائي وتعطيل سيره لفترات متفاوتة، ما أدى إلى تراكم أعداد كبيرة من القضايا وتأخير البت فيها.
كذلك طالت تداعيات هذه الأزمات المساعدين القضائيين وسائر العاملين في الأقلام والدواوين القضائية، وهم يشكلون العمود الفقري للعمل الإداري داخل المحاكم. فمع تضخم أعداد الملفات وتراجع الإمكانات البشرية والمادية، بات هؤلاء يعملون تحت ضغوط متزايدة وفي ظروف معيشية صعبة لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، الأمر الذي يفرض تحسين أوضاعهم وتأمين بيئة عمل لائقة تحفظ حسن سير المرفق القضائي وتحد من مخاطر الإهمال والفساد الإداري.
وعلى المستوى الإجرائي، لا تزال بعض آليات التقاضي تسمح بإطالة أمد النزاعات من خلال الإفراط في إساءة استعمال بعض الدفوع والطلبات والطعون أو التهرب من إجراءات التبليغ، بما يؤدي أحيانا إلى تحويل الضمانات الإجرائية المشروعة إلى وسائل للمماطلة وتعطيل الفصل في الدعاوى. كما أن عدم استغلال البرمجيات الرقمية يحرم القضاء من أدوات حديثة كان من شأنها اختصار الجهد الوقت وتسريع الإجراءات.
ومع ذلك، نرى أن العدالة الناجزة لا تتوقف على القضاء وحده، بل هي ثمرة تعاون بين مختلف الجهات المشاركة في إنفاذ القانون. فالمحاماة، بوصفها شريكا أساسيا في تحقيق العدالة، تضطلع بدور مهم في تسريع الفصل بالدعاوى من خلال حسن إعداد الملفات وتقديم المراجعات بصورة دقيقة ومنظمة وتجنب الوسائل التي لا يراد منها سوى إطالة أمد النزاع، فضلا عن تشجيع الوساطة والتحكيم حين تكون ملائمة. فالمحامي لا يدافع عن حقوق موكله فحسب، بل يساهم أيضا في صون رسالة العدالة وحسن سيرها.
ويرتبط انتظام العدالة الجزائية بفعالية التعاون بين القضاء والضابطة العدلية والأجهزة الأمنية وإدارات السجون وأماكن الاحتجاز والتوقيف. فالتأخير في تنفيذ الاستنابات القضائية أو مذكرات الإحضار والتبليغ، أو عدم سوق الموقوفين إلى جلسات التحقيق والمحاكمة في المواعيد المحددة، يؤدي إلى تأجيل الجلسات وتعطيل الإجراءات وإطالة أمد النزاعات، وقد ينعكس مباشرة على حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز التنسيق بين مختلف أجهزة إنفاذ القانون وتأمين الإمكانات البشرية واللوجستية اللازمة لتنفيذ القرارات القضائية ضمن المهل المحددة.
أما نتائج التأخير في الفصل بالملفات القضائي، فلا تنحصر بالخصوم وحدهم، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فخلف كل ملف مؤجل أو منسي إنسانٌ ينتظر حكما يتعلق بمسكنه أو مؤسسته أو إرثه أو تعويضه أو حقوقه الشخصية. كما أن طول أمد المحاكمات قد يؤدي إلى ضياع الأدلة أو وفاة الشهود أو تبدل الظروف الواقعية والقانونية، بما ينعكس سلبا على فعالية العدالة وجدوى الأحكام الصادرة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يؤدي بطء إجراءات التقاضي إلى إضعاف الثقة بالقضاء وبمؤسسات الدولة عموما، ويغذي الشعور بعدم جدوى اللجوء إلى الوسائل القانونية لتحصيل الحقوق، الأمر الذي يهدد أسس دولة القانون ويشجع على البحث عن بدائل غير مشروعة أو اللجوء إلى أصحاب النفوذ والسطوة.
كذلك يتسبب التأخير في البت بالملفات القضائية آثارا اقتصادية بالغة الخطورة، لأن الاستثمار يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة وقضاء قادر على حسم النزاعات خلال آجال معقولة. وكلما ازدادت مدة التقاضي ارتفعت كلفة الاستثمار وتراجعت الثقة بالضمانات القانونية، ما ينعكس سلبا على النمو الاقتصادي وفرص العمل والتنمية المستدامة.
إن معالجة هذه المعضلة الوطنية تقتضي اعتماد رؤية إصلاحية متكاملة ترتكز على خمسة محاور أساسية. أولها: تطوير البنية القضائية من خلال تأهيل قصور العدل وتحسين ظروف العمل وثانيها: تعزيز الموارد البشرية عبر تعيين قضاة ومساعدين قضائيين جدد. وثالثها: تحديث التشريعات والإجراءات بما يحد من إساءة استعمال الحقوق الإجرائية ويعزز فعالية إدارة الدعاوى. أما رابعها، فيتمثل في استكمال مشروع التحول الرقمي الشامل عبر الأرشفة الإلكترونية والتبليغات الرقمية وتبادل اللوائح والمستندات من خلال منصات آمنة وموثوقة، وخامسها: توسيع نطاق الوساطة والتحكيم وسائر الوسائل البديلة لحل النزاعات.
إن العدالة الناجزة ليست مطلبا فئويا يخص المتقاضين وحدهم، بل هي ضرورةٌ وطنيةٌ تمس هيبة الدولة ومصداقية مؤسساتها وثقة المواطنين بها، كما تشكل شرطا أساسيا لحماية الحقوق والحريات وتعزيز الاستقرار وجذب الاستثمارات وترسيخ مكانة الدولة في محيطها والمجتمع الدولي.
وأخيرا، قد يتقبل المتقاضي حكما لا ينسجم مع مطالبه إن اقتنع بأنه صدر وفقا للقانون وبعد محاكمة عادلة وشفافة، لكنه لن يتقبل أن يضيع جزءٌ كبيرٌ من عمره وهو يتسكع في أروقة قصور العدل منتظرا صدور ذلك الحكم. فالعدالة ليست مجرد حكم صحيح، بل هي أيضا حكمٌ يصدر في وقت معقول. وعندما يطول أمد التقاضي إلى حد يفقد معه الحق قيمته أو جدواه، تصبح العدالة المتأخرة وجها آخر من أوجه الظلم الذي وجد القضاء أصلا لمكافحته. والطامة الكبرى فيما لو جاءت الأحكام بعد طول انتظار غير منصفة.