بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 أيار 2026 12:20ص التفاوض تحت النار: مُكرهٌ أخاك لا بطل!!

حجم الخط
عشية إنطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة في واشنطن برعاية أميركية، تبدو المطالبة اللبنانية بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، ولو مؤقتاً خلال فترة التفاوض، مطلباً بديهياً من الناحية الإنسانية والسياسية. غير أنّ الوقائع الميدانية تشير إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساراً موازياً للحرب، لا بديلاً عنها، مستفيدة من فائض القوة العسكرية، ومن الحسابات الانتخابية الداخلية المرتبطة بمصير المستوطنات الشمالية، واستحقاق انتخابات الكنيست المقبلة.
 «التفاوض تحت ضغط النار» ليس واقعاً جديداً في تاريخ النزاعات الدولية. فالكثير من المفاوضات الكبرى جرت تحت ضغط النار، بل إن بعض الأطراف عمدت إلى تصعيد العمليات العسكرية، لتحسين شروطها التفاوضية وانتزاع مكاسب إضافية على الطاولة السياسية. في حرب فيتنام، استمرت الغارات الأميركية المكثفة حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت اتفاق باريس عام 1973، في محاولة لفرض وقائع ميدانية تخدم واشنطن وحلفاءها. وفي البوسنة، لم تتوقف العمليات العسكرية إلا بعد أن نجحت الضغوط العسكرية المتبادلة في تعديل موازين القوى قبيل اتفاق دايتون عام 1995. كذلك الأمر في مفاوضات غزة المتكررة، حيث غالباً ما كانت إسرائيل تلجأ إلى تكثيف عملياتها العسكرية بالتوازي مع المساعي السياسية لتحسين موقعها التفاوضي.
من هذا المنطلق، يمكن فهم خلفية الإصرار الإسرائيلي الحالي على مواصلة التدمير الممنهج في المناطق والقرى الجنوبية ، من الغارات الجوية إلى سياسة الأرض المحروقة، والتجريف الواسع للبنى التحتية والحقول الزراعية والقرى الحدودية. فنتنياهو يدرك أن أي تراجع ميداني الآن قد يُفسَّر داخلياً على أنه هزيمة سياسية وأمنية، خصوصاً في بيئة إسرائيلية متوترة، تعيش هاجس الأمن في الشمال تحت ضغط المستوطنين الذين يطالبون بضمانات حاسمة قبل العودة إلى منازلهم.
لكن فهم هذا السلوك لا يعني التسليم به، أو التقليل من خطورته على لبنان. فاستمرار الحرب بهذه الوتيرة يجعل من الجنوب منطقة منكوبة بالكامل، ويضع لبنان أمام استنزاف اقتصادي وبشري هائل، لا قدرة له على تحمله في ظل الانهيار المالي والمؤسساتي القائم.
ورغم كل المرارة التي تثيرها المفاوضات الجارية تحت النار، تبقى الدولة اللبنانية أمام خيار واقعي وحيد على قاعدة «مكرهٌ أخاك لا بطل»، وهو التمسك بمسار التفاوض وعدم الانجرار إلى حسابات الانفعال أو المغامرات المفتوحة. فالتجارب الدولية نفسها تؤكد أن الحروب، مهما طالت، تنتهي في النهاية إلى تسويات سياسية، وأن قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة على حماية مصالحها تكمن في حسن إدارة التفاوض، وفي استثمار الدعم الدولي والعربي، لا في الذهاب إلى مواجهات غير متكافئة تستنزف ما تبقى من مقومات الدولة.
لذلك، فإن الرهان اللبناني يجب أن يتركز على تعزيز الموقف التفاوضي سياسياً وديبلوماسياً، بالتوازي مع فضح الانتهاكات الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي، والعمل على تثبيت معادلة واضحة عنوانها أن الأمن والاستقرار في الجنوب لا يمكن أن يتحققا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تسوية عادلة تضمن سيادة لبنان وأمن حدوده ووقف العدوان، والعودة إلى إتفاقية الهدنة المعمول بها منذ عام ١٩٤٩.