عند صياغة الدول... لا تُختبر الجيوش وحدها
في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى يوم تُوقَّع الاتفاقيات، ولا يوم تُعلن القرارات. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تتغير طريقة التفكير، وعندما تُعاد صياغة المفاهيم التي نبني عليها قراءتنا للواقع. في تلك اللحظات، تصبح الكلمات أكثر خطورة من الأحداث، لأن الكلمات هي التي تهيئ الشعوب لتقبل ما كان يبدو مستحيلًا قبل سنوات.
أشعر أن لبنان يقف اليوم عند هذه العتبة بالذات. فما يدور حولنا لا يبدو مجرد نقاش حول سلاح، ولا مجرد خلاف على تطبيق قرار دولي، ولا حتى مجرد تفاوض حول الجنوب. كل ذلك، في رأيي، هو الوجه الظاهر لمشهد أكبر بكثير. فالمنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، والدول الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها وتحالفاتها ومناطق نفوذها. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا يحدث في لبنان، بل أي لبنان يُراد أن يخرج من هذه المرحلة.
وهنا يبدأ قلقي!!!!
لأنني لا أستطيع أن أقرأ الضغوط المتزايدة على لبنان بمعزل عن هذا المشهد الإقليمي الواسع. لا أستطيع أن أفصل بين الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة، وبين إعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط. ولا أستطيع أن أتجاهل أن الدول الكبرى، عبر التاريخ، لم تكن تبني سياساتها انطلاقًا من العواطف، بل من المصالح.
وهذا لا يعني رفض قيام الدولة، بل على العكس تمامًا. فقيام دولة قوية، تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، ليس مطلبًا خارجيًا بالنسبة إليّ، بل هو حلم كل لبناني يريد أن يعيش في وطن طبيعي. لكن الدولة ليست شعارًا يُرفع، بل منظومة متكاملة من المؤسسات والقدرات والضمانات. والدولة لا تُولد بقرار سياسي فقط، بل تُبنى خطوةً خطوة، حتى تصبح قادرة على حماية القرار الذي يُطلب منها أن تتخذه. من هنا توقفت طويلًا عند عبارة رئيس الجمهورية عندما قال إن الجيش اللبناني «مسلّح بثقة الشعب». أفهم تمامًا المعنى الذي أراده الرئيس، وأشاركه الإيمان بأن الجيش هو المؤسسة الوطنية التي لا تزال تحظى بثقة غالبية اللبنانيين. لكنني أخشى أن تتحول هذه العبارة، من دون قصد، إلى اختصارٍ لمعضلة لبنان كلها. فالثقة قيمة وطنية عظيمة، لكنها ليست منظومة دفاع!!!
الثقة لا تعترض طائرة حربية، ولا تمنع خرقًا للسيادة، ولا تؤمن رادارات، ولا أنظمة دفاع جوي، ولا قدرات استخباراتية، ولا توازن ردع في منطقة تُقاس فيها القوة بالتكنولوجيا قبل أن تُقاس بعدد الجنود. الثقة تمنح الجيش شرعيته الشعبية... أما القدرة، فهي التي تمنحه إمكانية حماية هذه الشرعية.
وهنا أعتقد أننا نخلط، في نقاشنا اليوم، بين مفهومين مختلفين تمامًا:
موقف الجيش مقابل قدرة الجيش! - موقف الجيش ليس موضع خلاف. فهو يلتزم القرار السياسي الذي تتخذه الدولة، ويحمي الشرعية الدستورية، وينفذ ما يُطلب منه ضمن صلاحياته. - أما قدرة الجيش، فهي سؤال آخر بالكامل. إنها ترتبط بالتسليح، والتمويل، والعقيدة الدفاعية، والبنية اللوجستية، والدعم الدولي، والإجماع الوطني الذي يحيط بالمؤسسة العسكرية.
ومن الظلم أن نطالب الجيش بتحمل مسؤولية تاريخية، بينما لا نمنحه كل المقومات التي تجعل هذه المسؤولية قابلة للتنفيذ.
ولذلك، فإنني أشعر بأن النقاش الحقيقي لا يجب أن يكون: هل الجيش يريد؟ بل: هل الجيش يستطيع؟ وهذا السؤال يقودنا مباشرة إلى سؤال أكبر. إذا كان لبنان اليوم مطالبًا باتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالسلاح وبمستقبل الأمن الوطني، فمن حق اللبنانيين أيضًا أن يعرفوا ما الذي سيُبنى في المقابل.
هل سيكون هناك انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة؟ هل ستتوقف الخروقات الجوية والبرية والبحرية التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية؟
هل ستُطبق القرارات الدولية على جميع الأطراف بالمعايير نفسها؟
أم أن لبنان سيُطلب منه أن ينجز استحقاقاته كاملة، فيما تبقى استحقاقات الآخرين مؤجلة إلى أجل غير معلوم؟ هذه ليست محاولة لتبرير واقع قائم، ولا دعوة للإبقاء عليه، بل محاولة لفهم الطريق الذي نسير فيه. لأن بناء الدولة لا يتحقق باستبدال معادلة ناقصة بأخرى ناقصة، بل بإقامة معادلة متوازنة يشعر فيها اللبناني أن سيادة وطنه مصانة من الداخل والخارج معًا. إن أكثر ما أخشاه اليوم ليس القرار الذي سيتخذ، بل أن نقرأ هذه المرحلة بعين الأزمة اللبنانية فقط، بينما العالم يقرأها بعين التحولات الكبرى. فالأمم الصغيرة كثيرًا ما دفعت أثمانًا باهظة، ليس لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها أخطأت في فهم اللحظة التاريخية التي كانت تعيشها.
وربما لهذا السبب أشعر أن ما يواجهه لبنان اليوم يتجاوز بكثير ملف السلاح أو الجنوب أو القرار 1701. إنه امتحان لقدرتنا على بناء دولة حقيقية، لا دولة تُحمَّل مسؤولياتها قبل أن تُمنح مقوماتها، ولا جيشًا يُطلب منه أن يحمل وحده أعباء مرحلة تاريخية، فيما لا يزال ينتظر أن يتحول رصيد الثقة الشعبية إلى قوة فعلية تحمي الوطن.
بعد سنوات، لن يسأل التاريخ اللبنانيين من كان مع هذا الطرح أو ضد ذاك، ولا من ربح السجال السياسي لهذا الأسبوع.
السؤال الذي سيبقى هو سؤال واحد:
هل أحسنّا قراءة اللحظة التي كانت تتغير فيها المنطقة من حولنا، فبنينَا دولةً تليق بلبنان... أم اكتفينا بإدارة الخلاف، بينما كان الآخرون يعيدون رسم المشهد كله؟
خلود وتار قاسم






