إعادة تشكيل المعالم السياسية على ضوء مآلات الصراع بين الإيديولوجيتين الفارسية والصهيونية
لم يعد الصراع الدائر في الشرق الأوسط مجرد سلسلةٍ من المواجهات العسكرية المتقطعة أو امتداداً للنزاع العربي - الإسرائيلي بصورته التقليدية، بل أضحى صراعاً مركباً تتداخل فيه المشاريع العقائدية والاستراتيجية والمصالح الدولية، تسعى من خلاله قوى إقليميةٌ ودوليةٌ إلى إعادة رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. ومن السذاجة اختزال هذا المشهد في مواجهة بين إيران ومحورها وإسرائيل وحاضنتها أميركا فحسب، لأن ما يجري يتجاوز حدود الدول الإقليمية إلى صراعٍ بين مشروعين متناقضين فارسي وصهيوني، يتقاطعان حينًا ويتصادمان أحياناً أخرى، فيما تدفع دول عربيةٌ، ومنها لبنان، الكلفة الأكبر لتحولها إلى ساحاتٍ لتصفية حسابات إقليمية ودولية.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تبنى النظام الإيراني مشروعاً فارسي التطلعات يتجاوز المفهوم المعاصر للدول. مستنداً إلى رؤيةٍ عقائديةٍ متزمتة، جعلته رهن دورٍ يتعدى حدود الجغرافيا الإيرانية، وإلى أدواتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ، مكنته من بناء شبكةٍ واسعةٍ من الحلفاء، وقوى تعمل لصالحه على امتداد الجغرافيا العربية. وفرت هذه الشبكة للنظام الإيراني عمقًا استراتيجيًا إقليميًا. الأمر الذي ساهم في تعزيز قدراته على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، ونجح لفترةٍ طويلةٍ في جعل المواجهة خارج الأراضي الإيرانية، وبالتحديد في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعددٍ من الدول العربية، وهذا ما تنبه له رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي صبيحة عملية طوفان الأقصى.
إسرائيل التي تبني أمنها القومي على مبدأ دوام تفوقها العسكري والنوعي، لذا تحرص على منع ظهور أية قوةٍ إقليميةٍ قادرةٍ على تهديد ميزان الردع الذي عملت على ترسيخه منذ قيامها. لذا استدركت الموقف وحزمت أمرها، وعملت على نقل المعركة إلى أراضي العدو وأقله لخارج حدودها، وآثرت قادتها على استهداف مصادر الخطر التي رؤوا فيها تهديداً حقيقيًا لوجودها، مستغلين ما يحظى به كيانهم من دعم سياسي وعسكري غربي، وتفوق عسكري أميركي، يضمن تفوقها الاستراتيجي.
وهكذا، وضعت دول الشرق الأوسط أمام مشروعين متقابلين متعارضين من حيث الرؤية والأهداف؛ أحدهما يسعى إلى توسيع دائرة نفوذه عبر منظومةٍ من الحلفاء الإقليميين، والآخر يعمل على منع تشكل أية قوةٍ إقليميةٍ منافسةٍ حفاظاً على تفوقه العسكري. ولم يعد الصدام بينهما مجرد احتمال، بل مسألة وقت، قطعته عملية طوفان الأقصى التي هزت الكيان الإسرائيلي، وكادت أن تطيح بحلم بني صهيون، لذا تبنى نتنياهو شعار إعادة رسم خريطة المنطقة بأسرها.
هذا الصراع الذي انطلقت شراراته من غزة ووصل إلى مضيقي باب المندب وهرمز لا يقتصر على التناقض بين المشروع الفارسي والمشروع الصهيوني، بل يمتد إلى التعارض بين الطموحات الإيرانية الإقليمية وبين مصالح معظم دول المنطقة والمجتمع الدولي. فالدول العربية المجاورة لإيران، وإن تباينت سياساتها وتحالفاتها، يجمع بينها هاجس المحافظة على استقرارها الداخلي، ومنع انتقال الصراعات إليها، وعدم تحويل الانقسامات المذهبية إلى أدواتٍ للصراع السياسي. كما أن المجتمع الدولي ينظر إلى الشرق الأوسط من زاوية مصالح أوسع تتصل بحرية الملاحة الدولية، وأمن الطاقة، واستقرار الأسواق العالمية، ومنع الانتشار النووي، ومكافحة الجريمة المنظمة كالمخدرات والإرهاب، وهي اعتباراتٌ تجعل أي تصعيدٍ واسع النطاق مصدر قلقٍ يتجاوز حدود المنطقة.
من هذا المنظار ينبغي قراءة المواقف الدولية والتي لا تختزل في إطارٍ الدعم المطلق لهذا الطرف أو ذاك، ذلك أن حسابات الدول الكبرى كثيراً ما تحكمها شبكةٌ معقدةٌ من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، أكثر مما تحكمها الاعتبارات الأيديولوجية. فروسيا والصين، على سبيل المثال، تربطهما بإيران مصالحٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ مهمة، إلا أنهما في الوقت نفسه تحرصان على عدم الانجرار إلى مواجهةٍ مباشرةٍ مع الغرب دفاعاً عن إيران. كما أن الدول الأوروبية، رغم تبنيها العلني لأمن إسرائيل، باتت تبدي اعتراضاً متزايداً على بعض سياساتها العسكرية المتجاوزة لحدود القانون الدولي وتقويضها لفرص التسوية السياسية للقضية الفلسطينية.
لقد فتحت عملية «طوفان الأقصى» الصراع على مصراعيه، جراء رد الفعل الإسرائيلي المدعوم أميركيًا، والمتجاوز لحدود الرد العسكري التقليدي، واتجه نحو إعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، عبر توسيع نطاق العمليات، واستهداف البنى العسكرية والقيادية للقوى المتحالفة مع إيران، وصولًا إلى انتقال المواجهة، بدرجات متفاوتة، إلى الداخل الإيراني نفسه.
كشفت الحرب التي أعقبت طوفان الأقصى الكثير من العيوب وأخطاءٍ فادحةٍ في تقدير الحسابات الاستراتيجية لدى مختلف الأطراف. من ذلك مراهنة إيران على قدرة شبكة حلفائها على فرض معادلات ردع تمنع انتقال المواجهة إلى أراضيها، فيما اعتقدت إسرائيل أن الضربات المكثفة والاغتيالات النوعية كفيلة بإحداث انهيار سريع في بنية خصومها، أو بإجبارهم على تغيير سلوكهم الاستراتيجي. أما الولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها أمام صراع أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، بعدما تبين أن التفوق العسكري، على أهميته، لا يكفي وحده لحسم نزاعاتٍ تتداخل فيها الاعتبارات العقائدية والسياسية والجيوسياسية، وهي تدفع اليوم فاتورة تهميش الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، أثارت العمليات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما في قطاع غزة، انتقاداتٍ واسعةٍ لدى المنظماتٍ الدولية وعددٍ من الدول والشعوب المتنورة، بناءً لحجم الخسائر البشرية والدمار الذي طال المدنيين والبنى التحتية، وما أثير من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. ولإدراكها أنه من شأن استمرار هذه الانتهاكات تقويض فرص الوصول إلى سلام مستدام، ولقناعةٍ راسخةٍ بأن الأمن الحقيقي لا يبنى على التفوق العسكري وحده، بل يحتاج أيضاً إلى مشروعية قانونية وسياسية وأخلاقية تحفظ حقوق الشعوب، وتؤسس لتسوياتٍ عادلةٍ ودائمة.
وفي خضم الاعتبارات المتشابكة، يظهر لبنان كدولةٍ هشةٍ في معادلات الصراع القائم، ليس بسبب موقعه الجغرافي كما يظن البعض، إنما نتيجة الانقسامات السياسية الداخلية الحادة وتجاه التحولات الإقليمية، الأمر الذي جعله يدفع أثمانًا باهظةً كلما ارتفع منسوب التوتر الإقليمي. ولم يعد بخافٍ أن انخراط حزب الله في ما سمي «حرب إسناد غزة» أدى إلى ربط الجبهة اللبنانية بمسار مواجهةٍ يتجاوز حدود الدفاع عن النفس، والاعتبارات الوطنية، ويخضع في جانبٍ منه لإيقاع الصراع الدائر حاليًا، وهو ما زاد من حدة الانقسامات الداخلية، وأضعف الموقف اللبناني في المحافل الدولية، وأتاح المجال لإسرائيل لتصوير المواجهة على أنها جزءٌ من صراعها مع المحور الإيراني، وهذا ما منحها هامشًا أوسع للمناورة السياسية والعسكرية، وأطال أمد المواجهة، وأخر تنفيذ الالتزامات بالاتفاق المبرم مع لبنان ومذكرة التفاهم لجهة التملص من البدء في تنفيذ انسحابٍ كاملٍ وغير مشروطٍ من الأراضي اللبنانية.
إن ما يتعرض له لبنان من اعتداءاتٍ إسرائيليةٍ متكررة، وما يمارس من خروقاتٍ يوميةٍ تمس السيادة اللبنانية، لا يعفي إسرائيل من المسؤولية عن انتهاكاتها للقانون الدولي. إلا أنه لا يعفي اللبنانيين من مسؤولية تقييم خياراتهم على ضوء مصالحهم الوطنية العليا. فمقاومة الاحتلال حقٌ تقره الشرائع الدولية، إلا أن إدارة هذا الحق، وتحديد زمانه ووسائله وأساليبه وأهدافه، تبقى مسألةً وثيقة الصلة بالقرار السيادي للدولة، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين مقتضيات الدفاع الوطني والقدرة على التصدي، ومتطلبات الحفاظ على السلم الأهلي ومصالح المجتمع.
لقد كشفت هذه الحرب أن الإنخراط في لعبة المحاور الإقليمية والدولية، لا توفر للدول الصغيرة ضماناتٍ كافيةٍ ودائمة، كما كشفت أن التعويل على التدخلات الخارجية لا يبني استقرارًا مستدامًا. أما وقد عرض حزب الله نفسه ولبنان لأضرارٍ غير مسبوقة، وإيران لم تسلم قياداتها ومنشآتها ومنشآتها النووية وترساناتها العسكرية، وفي الجهة المقابلة لم تنجح إسرائيل، في فرض تسويةٍ نهائيةٍ تحقق الأمن الذي تنشده وبدورها أميركا العظيمة كما يسميها ترامب لم تكرس سطوتها عالميًا. وكأن هذه الحرب تؤكد حقيقةً استراتيجيةً طالما أثبتها التاريخ، وهي إن الحسم العسكري قد يغير موازين القوى، لكنه يفشل في إنهاء الصراعات ذات الجذور السياسية والعقائدية المتجذرة.
وإن كان لا بد من عبرة لنا كلبنانيين فهي وجوب تبني مقاربةٍ مختلفة في إدارة الصراع والتعامل مع المخاطر، تعطي الأولوية لإعادة بناء الدولة قبل أية اعتباراتٍ أخرى. فالدولة القادرة لا تقوم على مؤسساتٍ شكلية، بل على احتكار وسائل القوة المشروعة، وممارسة سلطتها وصلاحياتها على كامل أراضيها، ورسم سياساتها الخارجية والدفاعية انطلاقًا من مصلحةٍ وطنيةٍ صرفة، لا بارتباطات خارجية أو بناءً على حساباتٍ إقليمية. وفهم السيادة على أنها ممارسةٌ فعلية تقوم على وحدة القرار، وحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، واستقلال السياسة الخارجية، وإخضاع كل ما يتصل بالحرب والسلم لإرادة الدولة وحدها. بحيث لا تكون مجرد شعاراتٍ نرددها في خطاباتنا.
وتكريس مفهوم السيادة لا يعني إظهار العداء لأية دولة صديقةٍ أو شقيقة، ولا يوجب القطيعة مع أي مكون داخلي، وما علينا كلبنانيين سوى إعادة تنظيم علاقاتنا الخارجية، بما فيها العلاقة مع إيران، على قاعدة الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادتنا الوطنية، وحقنا الحصري في تقرير مصيرنا وفق خياراتنا وفي إطار مؤسساتنا الدستورية. كما يقتضي معالجة العلاقة التنظيمية والعسكرية والإيديولوجية لحزب الله التي تربطه بإيران وحرسها الثوري، ودفعه لإعادة التموضع داخليًا، بغرض ضمان وحدتنا الوطنية وتجنيب جعل أرضنا ومدننا وقرانا وشبابنا ساحةً لصراعات الآخرين أو وقوداً لها.
وفي المقابل ينبغي ألا يغيب عن بالنا أن السياسات الإسرائيلية المبنية على استغلال التفوق العسكري لإدارة النزاعات، تبقى العقبة الأساسية في بلورة سلام مستدام، ولا بد من تخلي هذا الكيان عن تطلعاته الاستيطانية، وطموحاته التوسعية، واستمرارٍ في سياسة قضم الأراضي. فالأمن لا يتحقق بإضعاف الأعداء بل بإزالة أسباب النزاعات. أما الاستمرار في إنكار الحقوق وتجاهل المؤسسات الدولية وخرق القانون الدولي سيبقى الشرق الأوسط أسير دوامةٍ من الحروب المتعاقبة.
ولا شك في أن المنطقة برمتها أمام لحظةٍ مفصلية ستحدد ملامح نظامها الإقليمي لعقود مقبلة. غير أن مستقبل المنطقة ينبغي ألا يكون رهن انتصار المشروع الإيراني - الفارسي أو الصهيوني - الإسرائيلي، إنما رهن مشيئة شعوب المنطقة التواقة إلى سلامٍ قوامه احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، والالتزام بأحكام القانون الدولي.
أما لبنان، فلا مصلحةً له في أن يجعل مستقبله رهن صراعاتٍ تتجاوز قدراته وإمكاناته، ويبقى خيار استعادة الدولة لدورها هو الخيار الأمثل، وتغليب المصلحة الوطنية على اعتباراتنا الفئوية والإديولوجية، هذان المرتكزان يشكلان مدخلًا حقيقيًا لوضع الدولة على سكة التعافي والنهوض.






