لبنان الكبير… خطأ البطريرك أم إخفاق السياسيِّين؟
كلما اشتدت الأزمات في لبنان، عاد الجدل إلى لحظة تأسيس دولة لبنان الكبير، وارتفعت أصوات تُحمِّل البطريرك الماروني إلياس الحويّك مسؤولية خيار تاريخي مضى عليه أكثر من قرن، باعتبار أن ضمّ الأقضية والأقاليم المجاورة إلى متصرفية جبل لبنان أوجد خللاً ديموغرافياً وطائفياً، قاد إلى الأزمات التي يعيشها البلد منذ فترة. غير أن هذه القراءة، على الرغم من انتشارها، تتجاهل الظروف التاريخية التي دفعت الحويّك إلى تبني مشروع لبنان الكبير، كما تتجاهل حقيقة أن أزمة لبنان كانت في إدارة الدولة، لا في حدودها.
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، أدرك البطريرك الحويّك أن متصرفية جبل لبنان، التي أنشئت عام 1861، لم تعد قادرة على تأمين مقومات الحياة لشعبها. حيث جاءت المجاعة الكبرى خلال الحرب، التي حصدت عشرات الآلاف من الأرواح ، ودفعت مئات العائلات المسيحية إلى النزوح نحو الجنوب والمناطق البقاعية، وكشفت هشاشة الكيان الصغير المحاصر، بعدما افتقد السهول الزراعية والمياه والمرافئ، وبقي معتمداً على محيطه لتأمين احتياجاته الأساسية.
من هنا، حمل الحويّك إلى مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919 مشروعاً متكاملاً، لم يكن قائماً على اعتبارات طائفية أو توسعية، بل على رؤية سياسية واقتصادية تهدف إلى إنشاء دولة قابلة للحياة. ولذلك طالب بضم البقاع وبعلبك وراشيا وحاصبيا، إضافة إلى طرابلس وصيدا وصور، لأن هذه المناطق تشكل الامتداد الطبيعي لجبل لبنان، وتؤمِّن له العمق الزراعي والاقتصادي، والمنافذ البحرية التي يحتاجها أي كيان مستقل.
لقد ادرك أن الدولة لا تقوم على الطائفية أو العصبيات، بل على مقومات الجغرافيا والاقتصاد والتنوع البشري. ولم يكن لبنان الكبير مشروعاً لفئة دون أخرى، وإنما محاولة لتأسيس وطن يتسع لجميع أبنائه، على قاعدة الشراكة والتوازن واحترام الخصوصيات.
وقد اكتسبت هذه الرؤية بُعداً إنسانياً وحضارياً مع مرور الزمن، حين وصف البابا القديس يوحنا بولس الثاني لبنان بأنه «وطن الرسالة»، في إشارة إلى رسالته في العيش المشترك والحوار بين الأديان والثقافات، وليس مجرد وطن لطائفة أو جماعة بعينها. ولم يكن هذا الوصف تكريماً للبنان فحسب، بل اعترافاً بأن الصيغة اللبنانية تمثل نموذجاً فريداً للمجتمعات المتعددة، في منطقة اعتادت الانقسامات والصراعات.
غير أن المشكلة بدأت عندما تحولت الطائفية، التي كان يفترض أن تكون إطاراً لتنظيم المشاركة ومنع الإقصاء، إلى وسيلة لتقاسم السلطة والمغانم بين السياسيين. فقد أخفقت الطبقة السياسية، منذ الاستقلال، في بناء دولة المؤسسات، واستعاضت عن مفهوم المواطنة بمنطق المحاصصة، وربطت القرار الوطني بالمصالح الفئوية والارتباطات الخارجية، فتراجعت هيبة الدولة، وازدادت الانقسامات، وتعاظمت الأزمات.
ومن هنا، فإن مَنْ يُحمِّل البطريرك الحويّك مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، يتجاهل أن المشروع الذي حمله كان يهدف إلى حماية لبنان من الضعف الذي كانت تعانيه المتصرفية، لا إلى إدخاله في أزمات جديدة. فلو بقي لبنان ضمن حدود المتصرفية، لبقي محصوراً في مساحة ضيقة، محدود الموارد، يفتقر إلى الموارد الزراعية، وإلى العمق الاقتصادي والديموغرافي الذي تحتاج إليه أي دولة قابلة للاستمرار.
إن التجربة اللبنانية لم تفشل لأن الجغرافيا كانت خاطئة، بل لأن السياسة لم ترتقِ إلى مستوى هذه الجغرافيا. فالمشكلة لم تكن في التنوع، بل في سوء إدارته، ولم تكن في الصيغة، بل في مَنْ أساؤوا تطبيقها، حتى فقدت الدولة قدرتها على احتضان جميع أبنائها على قدم المساواة.
لذلك، تبدو الدعوات التي تصف قيام لبنان الكبير بأنه «خطأ تاريخي» مدعاةً للقلق، لأنها قد لا تكون مجرد مراجعة أكاديمية للتاريخ، بل مدخلاً إلى إعادة طرح مشاريع تقسيم مقنّعة تحت عناوين مختلفة، من بينها الفيدرالية، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى تعزيز وحدته الوطنية وتطوير نظامه السياسي، لا إلى إعادة تقسيم حدوده الحالية، أو التشكيك بشرعية نشأته.
لقد أثبت التاريخ أن رؤية البطريرك الحويّك كانت تستشرف متطلبات قيام دولة قابلة للحياة. أما الإخفاق، فلم يكن في الحلم، بل في أداء من تعاقبوا على إدارة هذا الوطن، وأضاعوا، بسياساتهم وانقساماتهم، فرصة تحويل «وطن الرسالة» إلى نموذج ناجح للدولة المدنية العادلة، التي تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والشراكة الوطنية الحقيقية، لا على الزبائنية والفساد السياسي، وعلى المتاجرة بالدين تحت شعار حماية الطائفة.






