بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 تشرين الأول 2025 12:00ص إلى الدعاة والخطباء في لبنان... اتركوا السياسة وتحليلاتها.. والتفتوا للدعوة وأدوارها

حجم الخط
دعوني واسمحوا لي بالقول أن هذا المقال جاء نتيجة لما نراه في عدد كبير من مساجد لبنان، ذلك البلد الذي بات مسرحاً لكل شيء.. إلّا للعلم الصحيح الذي ينبغي أن يمارس دوره التوعوي والتنموي والنهضوي..
ومن هنا أقول لكل الدعاة والخطباء اتركوا الحديث عن السياسة ومصالحها (..؟!)، والتفتوا قليلا إلى نشر العلم الصحيح الذي بات يتيما في مجتمعنا..
التفتوا إلى مشاكل الناس.. وهموم الناس.. ومعاناة الناس.. ومأساة الناس..
التفتوا إلى الانحلال الخلقي الذي ساد، وإلى التخبط القيمي الذي انتشر، وإلى الجهل الذي عمّ حتى بات أصلا وبات العلم استثناءً مرفوضا..؟!
هل تساءلتم أيها السادة يوما.. لماذا تلصصت آفة المخدرات إلى صفوف شبابنا وبناتنا، ومجتمعاتنا مليئة بالمساجد..؟!
هل بحثتم عن أسباب ارتفاع حالات الطلاق بين المتزوجين حديثا بينما حضور خطبة الجمعة من الشباب بالآلاف في بلادنا..؟!
أليس من المستغرب أن يكون أحيانا بين كل مسجد ومسجد بضعة أمتار، وعلى هذه الأمتار نفسها ترتكب عشرات الآفات الأخلاقية والسلوكية..؟!
هل لاحظتم الغش والاحتيال الذي سيطر على كثير من المجالات التجارية، وهي التي تعود ملكيتها إلى من يقفون في الصفوف الأولى في خطبكم..؟!
بل هل حاولتم أن ترصدوا ثم تحللوا أسباب استقرار الفوضى الشاملة في كل مناحي الحياة ونحن جميعا نعلم أن الإسلام دين التنظيم والعدل في كل شيء..؟!
إن هذا الخلل الفكري والقيمي والأخلاقي الذي أصاب بلادنا لم يأتِ عبثاً، ولم يأتِ صدفة.. بل جاء نتيجة انحراف كبير عن أدوار المنابر المطلوبة لسنوات وسنوات، ونتيجة تحوّلها إلى ما يشبه (استوديوهات التحليل السياسي)، والمؤسف الأكبر أن الناس قد يئست وسأمت واستسلمت، بل وباتت راضية بهذا الانحراف حتى تحوّلت صلاة الجمعة عند الكثيرين إلى فرض ديني همّهم الأول أن يصلّوها فقط إسقاطا للفرض عن كاهلهم..؟! أما انعكاساته الفكرية والعلمية والنهضوية والتربوية، فللأسف غابت تماما عنهم..؟!
وهنا قد يسأل أحدهم...
ولماذا لا يقوم الخطباء أنفسهم بإصلاح هذا الأمر..؟!
الجواب الأول (المؤسف)... هو أن عددا كبيرا من هؤلاء الخطباء أنفسهم هم بحاجة إلى إصلاح، لأن نشأتهم وتربيتهم وبنائهم الفكري جاء ضمن هذه المنظومة المقلوبة التي صوّرت لهم المنبر محطة خاصة للتعبير عن رأيهم السياسي..؟!
والجواب الثاني (أيضا المؤسف).. هو أن بعض المصلين يريدون الخطيب مستجيباً لغرائزهم ولأهوائهم، فتحوّلت الخطبة إلى ما يشبه (ما يطلبه المستمعون)..؟!
والجواب الثالث (وهو الأشدّ كارثية).. هو أن خطباء (نموذج الجواب الأول)، يريدون إرضاء مصلين نافدين (من نموذج الجواب الثاني)، فكانت النتيجة انهيار أهداف خطبة الجمعة في بلادنا..؟!
أيها السادة أخشى ما أخشاه إن بقي الحال على ما هو عليه، أن تخلو مساجدنا من المصلين بعد عدد من السنين، أو أن تتحوّل خطبة الجمعة (إن لم تكن فعلا قد أصبحت هكذا عند البعض) إلى دقائق يستغلّها الناس للراحة والبُعد عن العمل تحت ستار ديني..؟!

دور رسالي

أيها السادة.. صحيح أن خطبة الجمعة فريضة إسلامية جاء الأمر بها في كتاب الله تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، ولكنها في أيامنا هذه لم تعد مجرد موعظة أسبوعية، أو محطة نصح وإرشاد يقول فيها الخطيب آية من كتاب الله أو حديث نبوي شريف ثم يرفع يديه بالدعاء وانتهى الأمر، ولكن توسّع دورها وتشعبت موضوعاتها في زماننا المعاصر حتى باتت تشمل كل نواحي الحياة الدينية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية، وإذا ما أضفنا إليها طغيان المادية على الحياة العصرية وازدياد الحاجة إلى الراحة النفسية والروحية ندرك تماما كم لخطبة الجمعة من أدوار رسالية لا بد أن تكون محقّقة وإلّا فنحن نسيئ ونشوّه..
للأسف الشديد الواقع ليس كما ينبغي.. بل هو وبكل صراحة يكاد يكون عكس المطلوب تماما، وأخطر ما فيه تحويل كل خطيب لمنبر المسجد إلى منبر سياسي خاص يعرض فيه آرائه الشخصية كما يراها هو.. ويفهمها هو.. ويريدها هو..؟!
أيها الدعاة والخطباء.. للمنابر أدوار تعليمية وتنموية ونهضوية ترتقي بالأمم وأفرادها، وتنتشلها من براثن الأمية الدينية والأخلاقية والحياتية، ومن يقصّر عن أداء ذلك فهو آثم ومخطئ ومقصّر، وبالتالي أصبح معول هدم للمجتمع بدلا من أن يكون معول بناء..؟!
فهل سنسعى للإصلاح.. أم سيبقى الوضع على (لبنانيته)...؟!