بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 نيسان 2026 12:40ص التفاوض: إعادة الإعتبار لوظيفة الدولة!

حجم الخط
في لحظة نادرة في تاريخ لبنان الحديث، سقط واحد من أكثر المحرّمات السياسية صلابة: التفاوض المباشر مع إسرائيل. ما جرى في 14 نيسان 2026 ليس تفصيلاً عابراً. ولا خطوة تقنية في إدارة نزاع حدودي، بل قرار سيادي يوازي في خطورته إعلان حرب ، وفي أهميته توقيع إتفاق سلام. 
إنه إعلان صريح بأن قواعد الإشتباك  القديمة سقطت، وأن منطق إدارة الصراع لم يعد قابلاً للاستمرار، وبدأ الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة، إلى مسار اختبار التسويات، بكل ما يحمله ذلك من رهانات لوضع لبنان على سكة الإنقاذ، حتى لا يدفع البلد ثمن هذه الخطوة الجريئة مضاعفاً في السياسة والأمن والإستقرار. 
القرار لم يولد من فراغ، ولم يكن مغامرة معزولة. ما يلفت في هذه اللحظة المفصلية هو أن خيار التفاوض جاء نتيجة تقاطع واضح بين أركان السلطة: الرؤساء ميشال عون  ونبيه بري و نواف سلام. هذا التفاهم الثلاثي، الذي نادراً ما يتكرّس في الملفات السيادية، منح القرار غطاءً وطنياً صلباً، وأخرجه من خانة المناورة إلى خانة الخيار الاستراتيجي.
لكن الأهم من الإجماع الرسمي هو المزاج الشعبي الذي لم يعد أسير الشعارات التقليدية. غالبية اللبنانيين، المنهكين من الحروب والانهيار الاقتصادي، باتوا ينظرون إلى التفاوض لا كتنازل، بل كفرصة أخيرة لوقف النزيف. صحيح أن حزب الله يقف خارج هذا الإجماع، إلا أن المشهد الشيعي ليس كتلة صمّاء. هنا تحديداً تبرز أهمية موقع الرئيس بري، الذي لا يمثل فقط شريكاً في السلطة، بل يشكّل ثقلاً سياسياً وشعبياً داخل البيئة الشيعية، ما يجعل موقفه عاملاً حاسماً في منع انزلاق الإنقسام إلى مواجهة أهلية دموية، كما ظهر واضحاً في لجم التظاهرات الإستفزازية في شوارع بيروت الأسبوع الماضي. 
في البعد الخارجي، لم يأتِ القرار اللبناني في معزل عن شبكة دعم عربية ودولية واسعة، شارك فيها الفاتيكان بدور صامت. ثمة إرادة واضحة لدى العواصم المؤثرة لدفع لبنان نحو الخيار الدبلوماسي، ليس فقط كمدخل لخفض التصعيد، بل كجزء من إعادة رسم توازنات المنطقة. هذا الدعم لم يقتصر على التشجيع، بل ترافق مع ضغوط أميركية فعلية على الجانب الإسرائيلي لاحتواء العمليات العسكرية، ظهرت بداياتها بوقف القصف على بيروت والضاحية الجنوبية، تمهيداً للوصول إلى وقف إطلاق نار شامل. بكلام آخر، لبنان لم يذهب إلى التفاوض ضعيفاً ومعزولاً، بل مستنداً إلى مظلة سياسية إقليمية ودولية  تتيح له تحسين شروطه لاحقاً. 
يبقى العامل الأكثر حساسية في الداخل، وهو كيفية إدارة الاعتراض. هنا أيضاً لعب الرئيس بري دور "صمام الأمان". إقناعه الحزب بوقف التظاهرات في الشارع لم يكن تفصيلاً، بل خطوة استراتيجية لمنع تحويل الخلاف السياسي إلى صدامات ميدانية. بهذا المعنى، جرى احتواء الاعتراض ضمن المؤسسات، حيث حُسم الخيار داخل مجلس الوزراء بأكثرية واضحة، رغم اعتراض وزيري الحزب. هذه الآلية أعادت الاعتبار إلى منطق الدولة، ولو جزئياً، في مقابل منطق الشارع والسلاح.
الواقع أن ما جرى  ليس مجرد إطلاق مسار تفاوضي، بقدر ما يُعتبر إعادة الإعتبار لوظيفة الدولة اللبنانية نفسها. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تتقدم المؤسسات على الإيقاع العسكري، ويُطرح النزاع مع إسرائيل كملف قابل للحل السياسي، لا كقدر دائم للحروب العسكرية. 
غير أن الطريق لا تزال طويلة ومحفوفة بالمخاطر. التفاوض مع عدو بحجم وتعقيد توازنات الدولة العبرية ليس نزهة دبلوماسية، بل اختبار طويل للأعصاب والقدرة على الصمود. كما أن أي اهتزاز في التوازن الداخلي قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر. ومع ذلك، فإن مجرد كسر حاجز الخوف من التفاوض يشكّل بحد ذاته تحوّلاً تاريخياً.
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استثمار هذه اللحظة النادرة لبناء مسار استقرار طويل الأمد، أو إضاعتها كما أُضيعت فرص كثيرة من قبل. الفارق هذه المرة أن كلفة الفشل لن تكون سياسية فقط، بل وجودية لكل ما للكلمة من معنى.