أ.د/ محمد قاسم المنسي*
إن التخطيط للمستقبل أحد ثمار النظرة الصحيحة له؛ فالمستقبل ليس صدفة أو ضربة حظ أو عملا عشوائيا، ولكنه محصلة طبيعية لأسلوب الإنسان ومنهجه في الحياة؛ ومن هنا تكون صناعة المستقبل من بين الصناعات المهمة في حياة البشر.
وقد عنيت الشريعة الإسلامية بأمر المستقبل، وذلك في إطار عنايتها بكل ما يحقق للإنسان أهدافه وطموحاته، بل إنها جعلت التخطيط له مبدأ من مبادئها الشرعية، وضرورة من ضروريات الحياة، سعت به إلى الرقيّ بالحياة وتحسين نوعيتها، وتعظيم النتائج والآثار المترتبة عليه؛ لتأخذ البشر – من خلال التخطيط السليم – من مستوى (الحياة العادية) إلى مستوى (الحياة الطيبة)، ومن مستوى (الضروريات) إلى مستوى (التحسينيات) أو الكماليات، ومن مستوى (القلّة والندرة) إلى مستوى (الكثرة والوفرة).
وذلك من منطلق أن الحياة جزآن لا جزء واحد: جزء في الدنيا يسميه القرآن الكريم بـ(الحياة الدنيا)، وجزء في الآخرة يسميه القرآن بـ(الدار الآخرة)؛ ومِن ثم يربط بين الجزأين؛ ليجعل الثاني منهما نتيجة طبيعية للأول؛ فالآخرة محصلة للحياة، وذلك في قوله تعالى: {... اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...} [سورة الحشر: 18] فالغد هو المستقبل الأخروي وليس الدنيوي فقط؛ لأن الدنيا مزرعة للآخرة؛ فهما يتكاملان ولا ينفصلان، سواء في العمل أم النتيجة.
التخطيط للمستقبل
ولا شك أن التقديم للغد لا يكون إلا عن طريق التخطيط له، والاستعداد لكل مفاجآته وتحدياته، بتوقع الاحتمالات كافة التي يمكن أن تتحقق فيه، والسعي إلى اختيار أفضلها وأكثرها نفعا للإنسان؛ ومِن ثم جاء قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» [رواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط الشيخين]. وجاء أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم-: «أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» [أخرجه البخاري في صحيحه]، أي يطلبون منهم المساعدة والعون.
وهذا لن يتحقق إلا بالنظر إلى المستقبل، والتخطيط الجيد له، واستشراف ما يحتوي عليه من فرص وتحديات، وتفادي الأزمات التي يتوقع حدوثها، على نحو ما قام به سيدنا يوسف -عليه السلام- عندما نظر إلى المستقبل وهو يفسر رؤيا الملك، وتوقع حدوث مجاعة، فوضع الخطة المناسبة لتفادي حدوث المجاعة، على نحو ما ورد في قوله -تعالى- في سورة يوسف: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)}.
إنّ العناية بالمستقبل لا تقف عند حد النظر أو التطلع إليه، ولكنها تتجاوز ذلك إلى التدبير المحكم والتخطيط الجيد، والقراءة الواعية لما يحمله من تحديات ومفاجآت، وذلك كله من لوازم النجاح وتحقيق التقدّم.
* أستاذ الشريعة الإسلامية
بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة