د. تاليا عراوي*
«يمكن الحكم على عظمة الأمة وتقدّمها الأخلاقي من خلال الطريقة التي تعامل بها حيواناتها». هذه المقولة القوية، التي تُنسب غالباً إلى المهاتما غاندي، تتحدث عن حقيقة أساسية: إنسانيتنا تنعكس في كيفية تعاملنا مع الكائنات الأكثر ضعفاً بيننا. ومع ذلك، غالباً ما تصطدم هذه الفكرة بالواقع الذي نراه كل يوم. نشهد إساءة معاملة للحيوانات الضالة، وأطفالاً يقذفونها بالحجارة أو يركلونها، وحتى أبسط أعمال اللطف، مثل قيام شخص رحيم بوضع الماء لها، يتم إفسادها عمداً من قبل الآخرين. إن مجرد إهانة شخص بوصفه بـ«حيوان» يكشف عن تحيّز ثقافي عميق الجذور يقلل من قيمة هذه الكائنات الحيّة.
علاقة وصاية لا ملكية
في الحقيقة، إن علاقتنا بالحيوانات ليست علاقة ملكية بل هي علاقة وصاية. فامتلاك حيوان أليف هو بمثابة تبنٍّ، تأتي معه مسؤولية مقدّسة من الحب والرعاية. الحيوانات ليست أشياء يمكن اقتناؤها والتخلّي عنها؛ إنها كائنات حيّة لديها مشاعر، وقادرة على الإحساس بالألم والفرح. وقدرتها على الشعور والمعاناة هي السبب الأساسي وراء كون معاملتها بلطف واجب أخلاقي. ومن الناحية الروحية العميقة، فإنها مرتبطة أيضاً بالله. وكما ورد في المصحف الشريف: {وإن من شيء إلّا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}، مما يشير إلى أن كلمة في الوجود، بما في ذلك الحيوانات، له طريقته الفريدة في التواصل مع الله. ومن خلال حمايتها ورعايتها، فإننا نكرم جزءاً من الخلق له هدف قد لا نفهمه تماماً، مما يرفع واجبنا من مجرد رعاية بسيطة ومن واجب أخلاقي إلى شكل من أشكال العبادة.
هذا الفهم متجذّر بعمق في التقاليد الإسلامية. فقبل صدور أي من الدراسات الحديثة، أرست تعاليم القرآن والسنة النبوية إطاراً عميقاً للرفق بالحيوان. وتُظهر أقوال النبي محمد صلى االله عليه وسلم وأفعاله أن الرحمة بالحيوانات ليست مجرد خيار، بل هي واجب ديني وأخلاقي أساسي. ومن أقوى الأحاديث في هذا الشأن: «في كل كبد رطبة أجر»، وهو ما يؤكد أن أي عمل من أعمال الرحمة تجاه كائن حيّ، مهما كان صغيراً، هو عمل فاضل يستحق الأجر الإلهي. كما حذّر النبي صلى االله عليه وسلم بشدّة من القسوة. ففي حديث معروف، تُروى قصة امرأة دخلت النار بسبب قطة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، وهذا يوضح أن التسبب في معاناة حيوان عن قصد هو جريمة خطيرة في نظر الله. وفي حياته اليومية، كان النبي قدوة حيّة لهذه الرحمة. فقد علم أصحابه الرفق بالحيوانات، ونصح عائشة بأن تكون رفيقة مع بعير صعب المراس. كما أمرهم بضرورة العناية بدوابهم في السفر، والسماح لها بالرعي في الأراضي الخصبة وإراحتها ليلاً لمنع إرهاقها.
ولعلّ من أقوى القصص التي تجسّد هذا المبدأ هو الحديث عن رجل سقى كلباً عطشاناً. تروي القصة أن رجلاً في سفر، وبعد أن ارتدى عطشه من بئر، رأى كلباً يلهث من شدّة العطش. تأثّر بمعاناة الحيوان لدرجة أنه نزل مرة أخرى إلى البئر، وملأ خفّه، وسقى الكلب. وبسبب هذا الفعل البسيط من الرحمة العميقة، رضي الله عنه وغفر له ذنوبه، وأدخله الجنة. هذه الرواية وغيرها، بما في ذلك قصة عن امرأة بغي غُفر لها لأنها سقت كلباً، تُظهر أن رحمة الله وأجره يمتدان إلى جميع الكائنات الحيّة، وأن حتى أصغر عمل من أعمال اللطف يمكن أن يؤدي إلى عواقب روحية عظيمة.
هذه التعاليم توضح أن رعاية الحيوانات هي عمل صالح، وإن التناقض بين هذه الأوامر الدينية والواقع الذي نراه في الشوارع هو تحدٍّ يجب على مجتمعاتنا أن تعالجه. ومن الضروري سدّ هذه الفجوة من خلال توعية الناس، وخاصة الأطفال، بأهمية اللطف تجاه جميع الكائنات الحيّة. فغرس حسّ المسؤولية الأخلاقية تجاه الحيوانات منذ الصغر ليس من أجل الحيوانات فحسب؛ بل هو جزء حيوي من تطوير مجتمع أكثر إنسانية وتعاطفاً. وقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين يُعلمون حب الحيوانات ورعايتها يشبّون ليصبحوا أفراداً أكثر تعاطفاً وإحساناً، بينما العكس يؤدي إلى أفراد قساة القلب.
التأثير النفسي الإيجابي
إضافةً الى ذلك، فقد أظهر الطب الحديث وعلم النفس التأثير الإيجابي العميق للتفاعل بين الإنسان والحيوان على صحتنا ورفاهيتنا، وكشفت الدراسات أن قضاء الوقت مع الحيوانات يمكن أن يخفض ضغط الدم، ويقلل من التوتر والقلق، بل ويحسن صحة القلب والأوعية الدموية. كما توفر الحيوانات، وخاصة الأليفة منها، الصحبة التي تقاوم الوحدة وتمنح شعوراً بالهدف، وهو أمر حيوي للصحة العقلية، وتُستخدم حيوانات العلاج الآن بشكل شائع في المستشفيات ودور رعاية المسنين ولدى الأفراد الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة أو التوحّد، مما يثبت قدرتها على المساعدة في الشفاء والاستقرار العاطفي. وهذا الفهم الحديث للتفاعل بين الإنسان والحيوان كعلاقة متبادلة المنفعة يضيف بُعداً علمياً للحكمة القديمة التي تربط رفاهيتنا باللطف الذي نظهره للكائنات الحية الأخرى.
للأسف، كثيراً ما يتم تجاهل هذا الواجب الأخلاقي والديني، فنحن نشاهد بشكل متكرر قططاً وكلاباً ضالة في الشوارع لأن أصحابها لم يعودوا يرغبون في رعايتها - إما بسبب تقدّمها في العمر أو لقلّة المال وهذا منهاج خفيّ يؤثر على تربية الأولاد الذين يتعلمون بطريقة غير مباشرة أن ما ثقل رعايته وكبر سنّه يُرمى ولا فائدة له، وهذا أمر لا إنساني ويتعارض مباشرة مع مبادئ الإيمان والأخلاق، ويجعل المرء يتساءل عن مدى فقر بعض خطب الجمعة التي لا تستهدف جوهر شخصية المؤمن، وتفشل في تعليمه كيفية تحقيق خطة الله على الأرض وحب مخلوقاته.
في نهاية المطاف، فإن الرحمة التي نظهرها للحيوانات ليست مجرد انعكاس لشخصيتنا؛ بل هي ممارسة يمكن أن تشكّلها وتجعلها أفضل. إن الطريق إلى مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية يبدأ بأعمال صغيرة ومدروسة من اللطف. فلنسدّ الفجوة بين مُثُلِنا وأفعالنا، ولنحتضن دورنا كأوصياء على الكائنات التي لا صوت لها. وبفعلنا هذا، فإننا لا نكرم الأمانة المقدّسة الملقاة على عاتقنا فحسب، بل ننمّي أيضاً التعاطف والرحمة اللذين يحددان إنسانيتنا المشتركة. {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}، وكم من حيوان كان سبب في دخول المرء إلّا الجنة أو إلى النار. فتفكّروا يا أولي الألباب.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان