بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 أيلول 2025 12:00ص المؤشر العالمي للفتوى يصدر نشرة (فتوى تريندز): القضية الفلسطينية وفتاوى المقاطعة.. تتصدّر الـ«تريندات» العربية في الفتاوى

حجم الخط
أصدر المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم العدد (42) من نشرة «فتوى تريندز» عن شهر أغسطس؛ حيث أظهرت النشرة أن الفتاوى والآراء الصادرة عن المؤسسات الرسمية (دار الإفتاء، الأزهر الشريف، وزارة الأوقاف) استحوذت على (78%) من الـ«تريندات» المتداولة في مصر، مقابل (22%) فقط للشخصيات غير الرسمية؛ حيث أكدت النشرة أن قانون تنظيم الفتوى أسهم بصورة كبيرة في تقليص حضور الآراء الفردية غير الرسمية داخل الإعلام، لتبقى منصات التواصل الاجتماعي المساحة الأبرز لهذه الأصوات.
تصدَّر الاحتفال بـ«المولد النبوي الشريف» المشهد الإفتائي في آب، حيث أكدت الفتاوى الرسمية مشروعية الاحتفال وشراء الحلوى والصيام في هذا اليوم، في مواجهة دعوات التحريم التي ترفعها بعض التيارات المتشدّدة، ما عكس توجّهاً رسميًّا لإعادة ضبط الخطاب الديني، وإعادة الاعتبار لمظاهر الفرح الديني بوصفها «شواهد محبة وتوقير للنبي صلى االله عليه وسلم».
كما استحوذت القضايا الاجتماعية والأسرية بدورها على مساحة كبيرة من الخطاب الإفتائي، فقد أثارت فتوى أحد أساتذة جامعة الأزهر حول حق الزوجة الأولى في نصف ثروة الزوج عند الزواج بأخرى جدلاً واسعاً، فأيّدها البعض معتبراً أنها تحقق العدالة للمرأة، بينما رفضها آخرون وعدُّوها انسياقاً وراء «النسوية الغربية»، لا سيما بعد هجوم أحد دعاة التيار السلفي عليها، كما برزت قضية المغالاة في المهور التي اعتبرتها المؤسسات الدينية سبباً رئيسيًّا في تعقيد الزواج، فيما حثَّت الأسر على التيسير والاعتدال.
وفي سياق موازٍ، أكدت دار الإفتاء أن كتابة الأب أملاكه لبناته جائز شرعاً إذا قُصد به تحقيق العدل ومنع النزاعات بعد وفاته، ووصف هذه الخطوة بأنها «عين الصواب» والتي استحوذت على تفاعل من رواد وسائل التواصل، ومن جهة أخرى حذّرت الدار عبر أحد علمائها مما سُمّي بـ«الفيمينست المغشوشة»، على اعتبار أنها تشوّه قضايا المرأة الحقيقية ولا تعبّر عن منهج شرعي صحيح.

أرباح الـ«سوشيال ميديا» ولعبة «روبلكس»

وفي سياق متصل، طرحت المؤسسات الدينية فتاوى متنوعة تتعلق بالمستجدات التكنولوجية والمعاملات المالية، التي باتت تشغل مساحة مهمة في حياة الشباب، جاء في مقدمتها أرباح الـ«سوشيال ميديا» حيث أكدت دار الإفتاء أن الكسب من مواقع التواصل في حد ذاته ليس حراماً، وإنما الحكم يتوقف على نوعية المحتوى المقدم، وحاولت حسم الجدل من جديد حول حكم التصوير الفوتوغرافي، إذ أكدت أنه جائز شرعاً لأنه لا ينطبق عليه معنى التصوير عند العرب.
وإيماناً بدور الفتوى في حماية الأطفال من المخاطر الفكرية والأخلاقية، حذَّر الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، من الخطورة الأخلاقية للعبة «روبلكس» على الأطفال، داعياً الأسر إلى مراقبة ألعاب أبنائهم الإلكترونية.

التهجير القسري للفلسطينيين

وفي «تريند» آخر أثار الكثير من التفاعل، أكدت دار الإفتاء أن ثبات الفلسطينيين واجب شرعي ووطني، مشدّدة على أن التهجير القسري «جريمة كبرى» تتنافى مع القيم الإنسانية والدينية، وأعطى هذا الخطاب بُعداً شرعيًّا ورسميًّا لموقف الدولة المصرية في دعم القضية الفلسطينية، حيث لاقى تفاعلاً واسعاً وتقديراً من قطاعات شعبية مختلفة.
وعلى الرغم من هيمنة الخطاب الرسمي على أغلب الـ«تريندات» المتداولة في مصر والتفاعل عليها، فإن بعض الأصوات الفردية غير الرسمية واصلت إثارة النقاش ومواصلة الزخم عبر فتاوى وآراء متفرقة، فقد هاجم أحد الدعاة ما وصفه بـ«موضة الشباب» مثل ارتداء البناطيل الممزقة، واعتبرها مظهراً سلبيًّا يخالف الوقار، كما جدّد رفضه لارتداء الرجال الحُليَّ الذهبية، مؤكداً أنها محرّمة شرعاً.
وفي سياق متصل، أثار قول أحد الإعلاميين من الدعاة في ردّه على مقولة «إحنا مش أنبياء»، كثيراً من الجدل، والذي اعتبر أن الأنبياء بُعثوا ليكونوا قدوة للبشر في حياتهم اليومية، وليسوا معزولين عن واقعهم.
ومن هنا تؤكد «فتوى تريندز» أن شهر أغسطس شهد تكريساً لمأسسة الفتوى في مصر، حيث عززت المؤسسات الرسمية حضورها كمرجعية أساسية في مواجهة القضايا المثيرة للجدل عبر وسائل التواصل، سواء الاجتماعية أو التكنولوجية أو السياسية، بما يسهم في مواجهة الفكر المتشدد من جهة، وتلبية احتياجات المجتمع من جهة أخرى.

القضايا المجتمعية والسياسية تتصدّر المشهد العربي

جاءت الـ«تريندات» المرتبطة بالقضايا الأسرية والمجتمعية المرتبطة بالخطاب الإفتائي في صدارة الـ«تريندات» العربية بنسبة (31%)، وتنوّعت بين الحديث عن الزواج المدني واستئجار الأرحام والإدمان الرقمي، فيما شكّلت الـ«تريندات» المرتبطة بالقضايا السياسية والإقليمية (26%) وجاء على رأسها الحديث عن القضية الفلسطينية وفتاوى الجهاد والمقاطعة، فضلاً عن تناول الأوضاع السورية وأزمة السويداء، أما القضايا المرتبطة بالتحوّلات الرقمية والذكاء الاصطناعي فقد شكَّلت (20%)، في حين جاءت الفتاوى المتفرقة مثل فتوى القردة أو التبرع بالدم بنسبة (15%)، بينما احتلت المناسبات الدينية مثل المولد النبوي (8%) فقط، وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، أظهرت البيانات أن قطر تصدّرت بنسبة (32%) من الـ«تريندات»، تلتها الإمارات والسعودية بنسبة (20%) لكل منهما.
وقد تنوّعت القضايا ما بين الشأن الأسري والاجتماعي، والقضايا السياسية والإقليمية، فضلاً عن التحوّلات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس ديناميكية المشهد وتداخله مع القضايا المحلية والإقليمية.
ففي الأردن، برزت الفتاوى المتعلقة بالقضايا الأسرية، إذ أكدت دائرة الإفتاء تحريم استئجار الأرحام بجميع صوره، مع الدعوة إلى البحث عن بدائل علاجية مشروعة لحالات العقم من خلال دراسة بحثية نشرت عبر الموقع الإلكتروني للدائرة، كما أطلقت حملة بعنوان «حصِّن نفسك» للتحذير من الإدمان الرقمي وخطر المواقع الإباحية على الشباب، وهو ما عكس حضوراً قويًّا للقضايا التربوية والأسرية في الخطاب الإفتائي الأردني من واقع النشرة.
وفي الإمارات، احتلّ الخطاب الإفتائي مساحة بارزة من النقاشات، أبرزها مشاركة مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي في مؤتمر دار الإفتاء بالقاهرة وعرض تجربة الدولة في توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الفتوى، كما أطلق إصداراً جديداً بعنوان «فتاوى الطالب المبتعث» يضم 52 فتوى موجهة للطلاب الدارسين بالخارج. ونشر المجلس إحصائية لافتة للنظر كشفت إصدار أكثر من 132 ألف فتوى رقمية خلال النصف الأول من العام الجاري.
وتشير قراءة «فتوى تريندز» إلى أن (40%) من «تريندات» النطاق الدولي ارتبطت بتوظيف الدين سياسيًّا، و(35%) بالعنف ضد المسلمين في آسيا، وتؤكد هذه الخريطة أن القضايا الإسلامية باتت مرتبطة بمستويات متعددة سياسية وحقوقية، اجتماعية ودينية، وأن حضورها في النقاش العام لا ينفصل عن التحوّلات العالمية والإقليمية.

أبرز التوصيات

وفي النهاية، قدمت النشرة عدداً من التوصيات والمقترحات التي تستهدف تعزيز حضور الخطاب الديني المجتمعي والرقمي، فعلى مستوى قضايا الأسرة والمجتمع، دعت إلى إطلاق حملات توعوية وقائية مستندة إلى قصص واقعية وفتاوى مبسّطة، مع إشراك المتخصصين في الطب وعلم النفس والاجتماع إلى جانب علماء الدين لضمان دقّة الأحكام الشرعية المتعلقة بعدد من القضايا مثل العقم والإدمان والانتحار، كما شدّدت على أهمية إشراك الشباب والنساء في النقاشات الدينية عبر المنصات الرقمية، وتنظيم ندوات توعوية منتظمة لمعالجة الأزمات المجتمعية كأزمة المهور وربطها بالواقع الاقتصادي.
أما في مجال التحوّل الرقمي، فقد أوصت النشرة بتكثيف الإنتاج المرئي القصير لمعالجة القضايا المتداولة على الـ«سوشيال ميديا»، ووضع إطار أخلاقي وتقني موحّد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى وتعميمه على كافة الدول، على غرار «وثيقة القاهرة» التي أطلقتها دار الإفتاء المصرية خلال مؤتمرها العاشر، مع أهمية الاستثمار في تقنيات «ربوتات الإفتاء» متعددة اللغات، وتدريب المفتين على المهارات الرقمية، كما اقترحت تأسيس مرصد شرعي رقمي يتابع القضايا التكنولوجية المستجدة ويصدر بشأنها بيانات وأحكاماً فقهية.