بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 أيلول 2025 12:00ص المسجد الأقصى خلال سنة عبرية.. تصعيد غير مسبوق في وتيرة الانتهاكات الصهيونية والخطر يتزايد

حجم الخط
شَهِدَ المسجد الأقصى المبارك، منذ مطلع السنة العبرية في 2 تشرين الأول 2024م وحتى ختامها في 22 أيلول 2025م، تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الانتهاكات الصهيونية، حيث تضاعفت وتيرة الاقتحامات الجماعية الممنهجة، وتكاثرت المحاولات لفرض الطقوس التلمودية قسراً داخل باحاته، واشتدّت وطأة القيود المفروضة على المصلين والمرابطين، وذلك وسط تحريض ممنهج ومعلن من شخصيات رفيعة المستوى في حكومة اليمين المتطرف. ولم يكن هذا المناخ منفصلاً عن العدوان المتواصل على قطاع غزة، حيث أسهمت أجواء الحرب في تكريس سياسات قمعية استثنائية في القدس، ليغدو الأقصى ساحةً لمواجهة محتدمة وجزءاً أساسيًّا من مشروع تهويدي ممنهج.

احتفالات عيد العُرش وتصاعد الاقتحامات

شَهِدَ شهر تشرين الأول 2024م ذروةَ الاقتحامات خلال احتفالات «عيد العُرش»، حيثُ قادَ آلافُ المستوطنين - بمشاركةٍ رسميةٍ - طقوساً علنيةً داخل باحات الأقصى شملت النفخَ بالأبواق والسجودَ التلمودي، في مشهدٍ غير مسبوقٍ لفرض الهوية الدينية التوراتية.
ووفقاً لإحصائيات المركز الفلسطيني للإعلام، بلغَ عددُ المقتحمين خلال هذا الشهر 3,991 مستوطناً، مسجِّلاً ارتفاعاً صارخاً بنسبة 25% مقارنةً بالعام السابق، ليرتفعَ إجماليُّ عدد المقتحمين منذ بداية السنة العبرية إلى 13,559 مستوطناً. كما وصلَ العددُ الإجمالي للاقتحامات خلال العام الميلادي 2024م إلى 256 اقتحاماً.
ومع انطلاقة عام 2025م، شهدت انتهاكات الأقصى تصعيداً كميًّا ونوعيًّا؛ حيث سجَّل شهر يناير وحده اقتحامَ 349 مستوطناً في يوم واحد. وتواصلت الموجة التصاعدية خلال فبراير ومارس، لتتجاوز الأعدادُ حاجزَ 500 مقتحم يومياً في مناسبات متعددة، رافقها أداء طقوسٍ علنية استفزازية مثل: «السجود الملحمي»، والرقصات التوراتية، لا سيما خلال «عيد المساخر». وفي منحًى متوازٍ، فرضت سلطات الاحتلال مع حلول شهر رمضان المبارك قيوداً مشدَّدة على دخول المصلين، في إطار سياسة منهجية لتفريغ المسجد من محتواه الإسلامي.
وشكَّل «عيد الفصح» (13–19 نيسان 2025م) منعطفاً خطيراً في مسار انتهاكات الأقصى، حيث نظَّمت جماعات «الهيكل» اقتحاماتٍ واسعة النطاق بمشاركة 6,788 مستوطناً، مسجِّلةً قفزةً صارخةً بنسبة 55% مقارنة بعام 2024م. جاءت هذه العمليات تحت حمايةٍ أمنيةٍ كاملةٍ وتسهيلات لوجستية ممنهجة من قِبل شرطة الاحتلال.
وطوال أيام العيد، شهدت باحات المسجد الأقصى طقوساً علنيةً متعمّدة، تضمَّنت «السجود الملحمي»، و«بركة الكهنة»، وارتداء الشال اليهودي، إضافة إلى الرقص والغناء الجماعي، بمشاركة شخصيات سياسية ودينية بارزة من بينهم أعضاء كنيست وحاخامات.

استغلال المناسبات الدينية

شَهِدَ الثاني من حزيران 2025م، تزامناً مع «عيد الأسابيع»، - وكعادة الاحتلال في استغلال المناسبات الدينية - اقتحاماً استثنائيًّا للمسجد الأقصى بنحو 985 مستوطناً، في سابقة هي الأعلى من نوعها منذ سنوات، وتخطت الانتهاكات حدود الاقتحام الجماعي، حيث حاولت جماعات «الهيكل» إدخال أدوات شعائرية وتهريب لحوم قرابين إلى ساحات الأقصى، قبل أن يتمكن المصلون وحراس المسجد من إفشال محاولاتهم. كما أدّى المستوطنون طقوساً استفزازية متعمّدة في باحات المسجد المبارك.
وفي منحًى متصاعد، أقدمت سلطات الاحتلال منتصف الشهر على إغلاق المسجد الأقصى بالكامل لمدة 12 يوماً متتالياً، مستغلةً ظروف الحرب مع إيران مسوغاً لفرض إجراءات غير مسبوقة.
وفي تموز 2025م، عبَّر الاحتلال عن تصعيده الممنهج لاستهداف الرموز الدينية بإقدام شرطته على اعتقال مفتي القدس، الشيخ محمد حسين، عقب خطبة جمعة استنكر فيها سياسة التجويع المُطبَّقة ضد غزة. ولم يقتصر الأمر على الاعتقال، بل تمَّ إبعاده فوراً عن المسجد الأقصى مع استدعائه للتحقيق، في إجراءٍ يُعدُّ مؤشراً صارخاً على تصاعد وتيرة الحرب الدينية والسياسية الشاملة التي يشنّها الاحتلال ضد هوية المسجد الأقصى ومكانته.
وفي الثالث من آب 2025م، شهد المسجد الأقصى اقتحاماً استثنائيًّا بمناسبة ما يُسمى «ذكرى خراب الهيكل»، قاده وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير شخصيًّا، بمشاركة أعضاء كنيست وحاخامات وأكثر من 4,000 مستوطن، محطماً بذلك الأرقام القياسية المسجلة في الأعوام السابقة. 
وجرى الاقتحام تحت حماية أمنية مشدّدة، حيث تم تحويل الأقصى إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، مع فرض حظر كامل على دخول الفلسطينيين لضمان أداء المستوطنين لطقوسهم دون عوائق. وفي سابقة خطيرة، قام بن غفير بأداء طقوس علنية داخل باحات المسجد شملت الغناء ورفع الشعارات التوراتية، كما أطلق من داخل الأقصى نفسه دعوات صريحة لاحتلال غزة وتهجير سكانها، في تصعيد يعكس بوضوح حجم التطرف في السياسات التهويدية المتبعة.
كشفت الوثائق العبرية عن رقم صادم يشير إلى تجاوز عدد المقتحمين للمسجد الأقصى منذ بداية العام العبري حاجز 56 ألف مستوطن. هذا الرقم القياسي ليس مجرد مؤشر كمي، بل يعكس تسارعاً خطيراً في وتيرة المخطط الصهيوني الرامي إلى تقسيم الأقصى زمانيًّا ومكانيًّا، وفرض أمر واقع جديد داخل باحاته، في محاولة واضحة لتمهيد الطريق أمام بناء ما يُعرف بـ «الهيكل المزعوم».

الأقصى يواجه أخطر محاولات التهويد

وبهذا يتجلّى بوضوح أن المسجد الأقصى المبارك يواجه أخطر محاولات التهويد المنهجية منذ عقود، فما تشهده باحاته لم يعد مجرد انتهاكات متفرقة، بل تحوَّل إلى سياسة ممنهجة للكيان الصهيوني تتسارع وتيرتها شهراً تلو الآخر، وعيداً بعد عيد، لفرض واقع جديد مُفْرَض بقوة البندقية ومشروع الاحتلال. ويتم هذا كله في ظل صمت دولي يُشكِّك في مصداقية المجتمع الدولي، بينما تظل مقاومة المقدسيين صامدة في وجه هذه الآلة الاستعمارية، حافظةً لهوية الأقصى الإسلامية، ودرعاً للأمة العربية والإسلامية جمعاء.
وبحسب مرصد الأزهر فإن من المتوقع أن يشهد المسجد الأقصى موجة تصعيد جديدة خلال الأسابيع القادمة، مع دخول الموسم الكثيف للأعياد اليهودية الذي يمتد على مدى ثلاثة أسابيع متتالية. حيث بدأ الموسم برأس السنة العبرية في 22 أيلول، يليه يوم الغفران في 1 تشرين الأول، ثم عيد العُرش خلال المدة من 6 إلى 13 تشرين الأول، ليختتم بعيد «بهجة التوراة» في 14 تشرين الأول، مما يشكّل نافذة زمنية حرجة تزيد من مخاطر التصعيد داخل باحات المسجد.