الشيخ د. عبد المالك جحه*
ينتظر الإنسان مولوده بفارغ الصبر، ويجهّز له مأكله ومشربه وملبسه، يصوّر ملابسه تارة ويعرضها على الناس، هذه ملابس المولود القادم، وهذه وسائل سعادته الدنيوية، يجلس مساء طول الليل يتناقش عن اسم المولود الذي سيأتي، وعن كنيته، عن سريره وأين سيلهو وأين سيرقد، نعم إنه المولود المنتظر، الحبيب إلى القلب ريحانة الفؤاد.
فكيف بنا ونحن ننتظر ولادة سيد الخلق وإمام الحق، سيد ولد آدم، الذي رأت أمه بأنه سُلَّ من تحت وسادتها نور أضاءت منه قصور الشام، كيف بنا بولادة البشير النذير، كيف بنا بولادة النبي الذي أخذ الأنبياء الميثاق إن أدركوه لينصروه، كيف بنا بولادة الرحمة المهداة، فكان صلى الله عليه وسلم رحمة بالحجر والشجر والنسيم، فكان الحجر يسلّم عليه قبل الرسالة، والشجر يحنّ إليه أخضرا ويابسا، استلّ العداوة من القلوب وقلبها رحمة ومحبة بحلمه وأخلاقه..
إنها ولادة الخير والحب، ولادة بها رأت حليمة السعدية سعادة الدنيا والآخرة، زادت البركة في ديارها، فعلمت أن لهذا المولود سرّاً..
ولادة تكرّست فيها كل معاني الإنسانية، ولادة انتظرها آدم ونوح، ودعا لها إبراهيم، وبشّر بها موسى وعيسى، رافقتها العناية والرعاية.
ولادة علمت بركتها كل الكائنات حتى الدابة التي كانت تركبها حليمة.خوطب المولود من قبل أن يولد بكلام الله الأبدي السرمدي فقال له: إنا أعطيناك الكوثر، واتهم الله مبغضه فقال: إن شانئك هو الأبتر.
وبحفاوة الخطاب خاطبه في سورة نزلت في شهر الولادة، عَدّدَ فيها بعض عطاءات الله له من الولادة فقال له: ألم يجدك يتيما فآوى، إنها حفاوة الإكرام، فلم يعقب بإلى، فلم يقل آويناه إلى، إنما آواه إليه، زيادة في الحفاوة والإكرام.
فلا يفرّق العاقل بين حب محمد المولود، وبين حب محمد الرسول فالحب عائد لمحمد، فلا يكمل إيمان المؤمن حتى يكون محمد صلى الله عليه وسلم أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين.
حقيقة الاحتفال
ويعلم الباحث أن لهذه الولادة أثر كبير، وخير وفير تمثلت في كثير من الأمور الظاهرة والباطنة، وإننا إذ نحتفل بولادته ونفرح لهذا الأمر الجلل، بغض النظر عن تاريخ الولادة، فإننا لا نحتفل بالتاريخ إنما نحتفل بالمولود.وإن أقحم تاريخ الوفاة مع تاريخ الولادة، فلا يحق للمسلم أن يصنع مأتما لأن المولود صاحب الرسالة حرّم ذلك، فقال: لا يحلّ لمسلم أن يحزن على أخيه فوق ثلاث.نهينا أن نحدّ فوق ثلاث، فإذا كان يوم الجمعة هو خير يوم طلعت عليه الشمس، وكانت ميزته أنه فيه خلق آدم، ألا يكون لعاقل أن يعلم أن خير يوم طلعت فيه الشمس هو يوم ميلاد الرسول، وقد أجمعت الأمة أنه أفضل الخلق على الإطلاق، أفلا يكون يوم ولادته خير يوم طلع عليه شمس وقمر ونجوم ونسيم وعبق وعطر وجمال وجلال هو يوم ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وكأني أعيش الساعة طرب الكون بولادته حين ولد.
فصور الاحتفال تختلف ومن أجمل صور الاحتفال ما يكون به المؤمن من الطاعة، كذلك علّمنا صاحب الذكرى، فسُئل عن طاعته بالصيام يوم الإثنين فقال: هذا يوم ولدت فيه، إذا فصور الطاعات جائزة في يوم ميلاده، وإن تعدّدت هذه الصور طالما أنها مبنية على الطاعة، فلربما تكون هذه الطاعة تلاوة قرآن، وذكر لله، وصلاة على رسول الله، وإن اختلفت أساليبها بين الماضي والحاضر، فقد تغيّرت الوسائل، فكانوا يصنعون القباب في المساجد لتوزيع الصوت، واليوم تغيّرت هذه الوسيلة فأصبحت هناك مكبرات الصوت فكانت خير بدعة في نقل الصوت.
وإن الناظر إلى سنّة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أنه يحثّ على الاجتماع لذكر الله في بيوت الله في أي وقت من الأوقات فهو عام لكل الأوقات، فقال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلّا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.
ألا يكون في هذه المجالس الصلاة والسلام على صاحب الذكرى، وهي دائمة في كل وقت، ألم يأتِ ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي ابن رواحة بأنه يرغب عن إيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إيمان ساعة، وعن أنس بن مالك قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ ! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يرحم الله ابن رواحة; إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة». ألا تباهي الملائكة بمجالس الصلاة على صاحب الذكرى؟
وهذا حديث آخر يطلق عنان العموم، بقوله: ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون يذلك إلّا وجهه، إلّا ناداهم مُنادٍ من السماء أن قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات... رواه أحمد
ألا ينتقى في مجالس الاحتفال أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه؟، أليست هذه المجالس رياض الجنة وفيها يذكر الله ويصلّى على رسوله فلم يقل صاحب الذكرى لا تمدحوني، إنما قال لا تطروني، وبيّن ذلك برفعه إلى مرتبة الألوهية، وهذا ننهى عنه. أما أن ننهى عن ذكره بشتى أنواع الذكر دون إطراء فما المانع من ذلك؟ وهو الذي أجاز دوام الصلاة عليه في كل الأوقات، ثم قال: إذا يكفى همّك ويغفر ذنبك.
ولادة الأمة
نعم يا سيدي يا رسول الله بولادتك ولدت الأمة، ولدت المحبة ولد الإخاء ولدت الرحمة، ما فُتحت أبواب السماء إلّا باسمك، فقالت الملائكة، بك أُمِرنا أن نفتح.
بعد كل هذا يأتي المريض فينظر إلى نصف الكأس الفارغ، يصوّر المخالفات الشرعية الحاصلة على أنه هذا هو الاحتفال، لا أيها السيد إنه مخالفة شرعية لا يرضاها صاحب الذكرى ولا يرضاها أصحاب القلوب الممتلئة بحب محمد صلى الله عليه وسلم، مع أننا ننهى عن كل صور المخالفات الشرعية الحاصلة في هذه الاحتفالات.
فإن كان في أيام الدهر نفحات، فذكرى المولد نفحة من هذه النفحات، التي لا بد لكل عاقل أن يتعرّض لها، فاللهم صلِّ على الرحمة المهداة سيد الثقلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* أستاذ جامعي وإمام وخطيب بلدة الصويري