البروفسور ميشال فريد الخوري
لا يقتصر التفاوض حول السلام بين لبنان وإسرائيل على بحث الشروط والحدود فقط، لأن العلاقة بين الطرفين معقّدة وتجمع بين الفلسفة والسياسة، حيث تتداخل فكرة السلام مع واقع الحرب. فالسلام يتطلب تحويل الخوف والنزاع إلى اتفاقات سياسية، وتحويل الذاكرة المؤلمة إلى أنظمة تمنع تكرار المآسي. أما الحرب، فهي تعبير عن الفشل في إيجاد لغة مشتركة حول الأمن والاستقرار. يحمل لبنان ذاكرة الغزو والدمار والاحتلال والحروب، بينما تقوم سياسة إسرائيل على الأمن والردع وحماية حدودها الشمالية. في هذا الإطار، يرى هنري كيسنجر في كتابه «الدبلوماسية» أن التفاوض ليس وسيلة لإذلال الخصم أو تحقيق انتصار عليه، بل أداة لإنتاج توازن سياسي مستدام، لأن أي اتفاقا يقوم على الغلبة يحضر في داخله لصراع جديد. وهذا يلتقي مع الغزالي في «إحياء علوم الدين»، حيث انتقد الحوار القائم على الغلبة وكسر الخصم، مؤكداً أن الحوار الأخلاقي يبحث عن مصلحة مشتركة. من الناحية التقنية، تبقى بين لبنان وإسرائيل ملفات شائكة، مثل الحدود، ومزارع شبعا، والأسرى، والسلاح خارج سلطة الدولة، وأمن سكان الجنوب اللبناني وشمال إسرائيل، واحترام السيادة، إضافة إلى انعدام الثقة. لذلك، لا يكون السلام مجرد مصافحة أو اتفاق مبدأي، بل عملاً سياسياً وأخلاقياً معقداً. فالتفاوض الناجح يحوّل الألم إلى ضمانات تمنع تكرار المأساة. أما الحرب، مهما غيّرت موازين القوة، فإنها لا تزيل أصل المشكلة، بل تنتهي غالباً بالعودة إلى طاولة التفاوض. من نظرة كلاوزفيتز في كتابه «في الحرب»، إذا كانت الحرب استمراراً للسياسة عندما يفشل الحوار، فإن التفاوض يعيد السياسة من ساحة العنف إلى ساحة الكلام. الحروب بين لبنان وإسرائيل أظهرت أن القوة قد تغيّر التوازن لكنها لا تزيل أصل المشكلة، وهذا يجعل الحاجة إلى التفاوض قائمة مهما طال الصراع.
تجاوز الخوف: يربط توماس هوبز في كتابه «اللفياثان» بين الخوف والحاجة إلى التفاوض؛ إذ يرى أن الإنسان، في غياب سلطة منظّمة، يعيش قلقاً دائماً، لأن كل طرف يصبح تهديداً محتملاً للآخر. وفي الحالة اللبنانية، يظهر تحدٍّ بنيوي واضح، حيث تبدو سلطة الدولة واقعة بين ضغط خارجي يتمثّل في المواجهة العسكرية مع إسرائيل، وضغط داخلي يظهر في الانقسام الحاد حول من يملك قرار الحرب والسلم. من هنا يطرح المفاوض سؤالاً أساسياً: هل تستطيع دولة أن تفاوض بفعالية على السلام إذا لم تكن صاحبة القرار السيادي وحدها؟ وفي المقابل، لا يمكن بناء سلام على خوف الطرف الآخر، لأن ذلك لا يصنع استقراراً دائماً، بل يفتح الباب أمام صراعات جديدة. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى حد أدنى من العدالة، وإلى شعور متبادل بأن الكرامة والحرية والسيادة والحياة الكريمة قيم لا تقبل المساومة.
من العنف إلى الأمان: تميّز هانا آرندت في كتابها «في العنف» بين القوة والعنف، فالعنف قد يبدّل موازين القوة مؤقتاً، لكنه لا يمنح شرعية ثابتة، بينما تظهر القوة الحقيقية في التفاوض القادر على بناء فضاء مشترك يقوم على الأمن والسلام. عند تأمل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، نرى أن الحروب المتكررة لم تترك سوى وقائع متبدّلة وذاكرة مثقلة بالعداء، بحيث يرث الجيل اللاحق الخوف والكراهية، حتى لو لم يكن مسؤولاً عن أسبابها أو مشاركاً في صناعتها. لذلك يحتاج السلام إلى شرعية سياسية وقبول اجتماعي وإحساس بأن الحل لا يهين طرفاً لمصلحة آخر. وبحسب آرندت، لا يكون التفاوض أداة سياسية فقط، بل بديلاً عن العنف؛ فالعنف يهدم ويدمّر، بينما التفاوض يبني أماناً وعالماً مشتركاً.
القانون والسلام الدائم: يعرض إيمانويل كانط في كتابه «نحو السلام الدائم» رؤية أخلاقية وقانونية؛ إذ يفهم السلام كمسار قانوني وأخلاقي يقوم على القانون والاحترام المتبادل بين الدول، ويمنع استعمال الحرب وسيلةً لتنظيم العلاقات الدولية. لذلك، فإن التفاوض من أجل السلام يعني تأسيس قواعد أخلاقية وسياسية تحول دون الرجوع إلى الحرب. ومن هنا، لا يكفي وقف المواجهات المسلحة بين لبنان وإسرائيل فقط، بل يحتاج الأمر إلى شجاعة لوضع خارطة طريق تضمن الأمن، وتمنع الاعتداءات، وتحفظ السيادة والاحترام، وتمنح الشعب اللبناني حق العيش بعيداً عن كوارث الحروب العبثية.
التواصل والاعتراف المتبادل: يرى يورغن هابرماس، في نظريته حول «الفعل التواصلي»، أن المجتمعات لا تُبنى على العنف أو الإكراه، بل على الحوار القادر على فتح مجال التفاهم. فالحوار يتيح لكل طرف أن يعبّر عن موقفه، ويبحث عن أرضية مشتركة مع الطرف الآخر، حتى لو بقي الخلاف قائماً. فالاعتراف المتبادل لا يعني نهاية الاختلاف أو التنازل عن الحقوق، بل يعني الإقرار بوجود الطرف الآخر وبحاجته إلى الأمن والسيادة والاستقرار. أما القوة، فقد تنجح في إسكات الخصم مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تغيّر قناعاته أو تبني سلاماً دائماً. وفي الصراع بين لبنان وإسرائيل، تكمن المشكلة الأساسية في أن لغة الحرب غالباً ما تطغى على لغة التواصل. وبدلاً من أسئلة: من يردع من؟ ومن ينتصر في الحرب؟ يجب الانتقال إلى أسئلة أكثر واقعية: ما الشروط التي تضمن أمن الطرفين؟ وكيف يمكن الحفاظ على السيادة ومنع تكرار الحروب؟ من هنا، يصبح التواصل والتفاوض وسيلة لنقل العلاقة من سباق دائم في التسلح والردع إلى نقاش عقلاني حول الضمانات، والاستقرار، وحماية حياة الأجيال القادمة.
التفاوض المباشر: يقوم التفاوض المباشر على جلوس الطرفين وجهاً لوجه إلى طاولة واحدة، وهذا يشكّل خطوة أساسية في صناعة الحل. فالحوار المباشر لا يعني بالضرورة المحبة والتوافق الكامل أو المصالحة، لكنه يعني أن استمرار الخلاف والحروب لم يعد خياراً محتملاً. منذ عام 1948، عرف لبنان محطات تفاوض مباشر مع إسرائيل، أبرزها مفاوضات عام 1949 في رأس الناقورة بحضور الأمم المتحدة، والتي انتهت بتوقيع اتفاق الهدنة في 23 آذار من العام نفسه. كما شكّل اتفاق 17 أيار 1983 محطة أخرى من التفاوض المباشر، من خلال لقاءات رسمية عُقدت بين خلدة وكريات شمونة ونتانيا، برعاية أميركية، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. كذلك، شارك الطرفان في مسار تفاوضي مباشر بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ضمن إطار عربي - إسرائيلي موسّع، ثم استمرت المفاوضات الثنائية في واشنطن حتى عام 1993، لكنها لم تؤدِّ إلى اتفاق نهائي. واليوم، بعد حروب الإسناد التي تسببت بالقتل والدمار في لبنان، ولا سيما في الجنوب والبقاع، تُطرح المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة كمسار ضروري للخروج من منطق الحرب والاستنزاف. وفي ظل إرادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام، يسعى لبنان من خلال هذا المسار إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف القتل وهدم المنازل، والانتقال من منطق الحرب والدمار إلى منطق السلام والضمانات الأمنية.
التفاوض غير المباشر: يتم من خلال طرف ثالث يُعرف بالوسيط، وهو الطرف الذي يقرّب وجهات النظر بين الطرفين من دون أن يجلسوا في مواجهة مباشرة. وقد تناول جورج زيمل، في كتابه «علم الاجتماع: دراسات في أشكال التفاعل الاجتماعي»، أهمية الطرف الثالث ودوره في تنظيم العلاقة بين الأطراف. بعد حرب عام 2006، تـم التفاوض الغير مباشر بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية والذي أدى إلى صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن. وبعد ذلك، حصلت لقاءات عسكرية رسمية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي بحضور اليونيفيل؛ صنّفت هذه اللقاءات تواصل غير المباشر رغم أن الأمم المتحدة وصفتها بأنها اتصال تقني وأمني مباشر. أما في ملف ترسيم الحدود البحرية عام 2022، تم التوصل إلى الاتفاق البحري بين لبنان وإسرائيل عبر وساطة أميركية وبحضور اليونيفيل، من دون مفاوضات مباشرة بين الطرفين. وبذلك، أثبت الاتفاق البحري أن التفاوض غير المباشر ينجح عندما تكون الرؤية واضحة والمصالح محددة.
في الخاتمة، تكشف لنا فلسفة التفاوض أن السلام ليس خطوة سهلة، بل مسار طويل يحتاج إلى وعي سياسي يوازن بين القوة والعقل. فهو يحتاج إلى فكر كيسنجر والغزالي لبناء توازن سياسي مستدام، وإلى هوبز لتجاوز منطق الخوف، وإلى كانط لتثبيت فكرة السلام الدائم، وإلى هابرماس من أجل فتح باب الحوار حتى مع الخصم، وإلى أرندت للتمييز بين العنف الحقيقي والأمان، وإلى زيمل لفهم أهمية الوسيط في إدارة النزاعات. وعند تطبيق مبادئ التفاوض على العلاقة بين لبنان وإسرائيل، يتضح أن التفاوض لا يعني الضعف أو الخسارة أو الخيانة، كما أن الحرب لا تعني دائماً الشجاعة أو الانتصار. فالتفاوض هو فعل دبلوماسي ينقل العلاقة من منطق الحرب والقتل إلى منطق السلام والضمانات. وحين تفكر عائلة نازحة في العودة إلى بيتها، فهي لا تبحث في نظريات كانط أو هابرماس أو كلاوزفيتز، بل تسأل أسئلة واقعية: هل البيت ما زال صالحاً للسكن؟ هل ستفتح المدارس أبوابها؟ هل يمكن العيش من دون التفكير في نزوح جديد؟ إن العقل السليم يدرك أن الحرب لا يمكن أن تكون حلاً دائماً، وأن السلام لا يُبنى إلّا بالحوار والتفاوض. وفي المحصلة، يبقى المواطن العادي هو الضحية الأولى: الطفل الذي ينتظر العودة إلى مدرسته، والأم التي تبحث عن بيت آمن، والعامل الذي يريد الذهاب إلى عمله بسلام. لذلك يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع لبنان وإسرائيل الانتقال من منطق الحرب والهدن المؤقتة إلى منطق السلام؟ من إدارة الخوف إلى بناء الثقة؟ من حدود نزفت لأكثر من 75 عاماً إلى حدود منظّمة تحمي الحياة؟ هذا هو التحدّي الأصعب. فالحرب قد تبدأ بقرار، أما السلام فيحتاج إلى شجاعة أكبر: شجاعة التفاوض المباشر، وشجاعة الاعتراف، وشجاعة بناء دولة تحمي شعبها ولا تبقى رهينة لصراعات الآخرين على أرضها. لذلك، لبنان بحاجة ملحّة إلى توحيد الصفوف بين الفرقاء اللبنانيين ودعم مسار التفاوض المباشر، لأن نجاحه يخدم كل الشعب اللبناني الذي أنهكته الحروب والاستنزاف، وبات يبحث عن الاستقرار والعيش بسلام.