عاشوراء – دروس للأجيال وعِبَر للحاضر
حجم الخط
في هذه الأيام نستذكر مصاب الأمة الجلل بسيد شباب أهل الجنة أبي عبد الله الحسين بن عليّ عليه السلام، وأدعوكم في هذه الذكرى الأليمة الحزينة إلى التوقف سوياً مع بعض المحطات التي أرى أن من شأنها أن تُجلي بعض الحقائق، وتساهم في توحيد صف المسلمين، وجمع شملهم على كلمة سواء على هدي كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
الآل الأطهار في أفئدة المؤمنين الموحدين
إنّ من البدهيات والمسلّمات أننا نعلم جميعاً مكانة آل البيت في قلوب المؤمنين. ولكن من باب الذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين أستعرض معكم ما ينشأ عليه أهل السنة من حبٍ لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وما تزخر به كتبهم الدينية، ويتناقله علماؤهم في دروسهم ومواعظهم من وجوب توقيرهم وإجلالهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن).
وقد أفرد كل من الإماميْن البخاري ومسلم رحمهما الله فصلاً خاصاً في صحيحه للحديث عن فضائل آل البيت ومن ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أنشدكم الله أهل بيتي)، قلنا لزيد [راوي الحديث]: من أهل بيته؟ قال: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس.
واستقر هذا الحب في وجدان المؤمنين وانغرس في ضمائرهم وأفئدتهم فكان اسم فاطمة الزهراء من أكثر اسماء البنات شيوعاً ولا يزال، تبركاً وتيمناً وحباً. وكذا انتشرت أسماء علي وحسن وحسين. ولا تخلو جلسة صفاء فيها ذكرٌ لله ومدحٌ لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من مدحٍ للزهراء، أو من التغني ببطولة وشجاعة عليّ الحيدر الكرار، أو من وصف للسبطيْن الكريميْن.
لدرجة أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أوجب الصلاة على آل البيت الكرام في الصلاة، ومما ينسب إليه:
يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبّكُمُفرْضٌ من الله في القرآنِ أنزلَهُ
يكفيكُمُ من عظيم الفخرِ أنكُمُمن لم يصلِّ عليكم فلا صلاةَ لهُ
آل البيت الأطهار والصحابة الكرام أخوة في مدرسة محمد
وكانت العلاقة بين آل البيت الكرام والصحابة الأجلاء مؤسسة على تقدير بعضهم بعضاً وإجلال بعضهم بعضاً.ً كيف لا وهم جميعاً خريجو مدرسة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟! نشأوا على أخوة الإسلام، وحب الله تعالى ورسوله.
والمصادر الإسلامية المتقدمة للسنة والشيعة معاً تزخر بالأخبار التي تُنبئ عن الحب الذي كان عنوان التلاقي بينهم ومن ذلك: أن الإمام علياً رضي الله عنه زوّج ابنته أمَ كلثوم من عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولما شاوره عمر بن الخطاب بالذهاب بنفسه لغزو الروم منعه عليّ كرم الله وجهه من ذلك وقال: «أنت حصن العرب ومرجعهم وردٌ للناس ومثل للمسلمين...».
وقد سمّى الإمام علي كرم الله وجهه أولاده الثلاثة بأسماء خلفاء النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أبو بكر بن علي بن أبي طالب، عمر بن علي بن أبي طالب، عثمان بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وسمّى الحسين أولاده بأبي بكر وعمر، وكذلك فعل أولاد الحسين رضي الله عنهم أجمعين.
والإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق سمّى أحد أبنائه أبا بكر، وسمى ابنته عائشة.
وسمى الإمام زين العابدين عليُّ بنُ الحسين بن علي ابنته عائشة. كما سمى الإمام علي بن محمد الهادي ابنته عائشة.
وممن استشهد مع الحسين في كربلاء: أبو بكر بن علي بن أبي طالب أخو الحسين، أبو بكر بن الحسين بن علي بن ابي طالب، عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم الله تعالى أجمعين.
ولولا خشية الإطالة لذكرت المئات من تلك الأخبار التي تؤكد المحبة العميقة والمتبادلة بين آل البيت والصحابة.
الفتنة الكبرى كانت خلافاً سياسياً لا دينياً
نعم، وقع الخلاف عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت الفتنة الأليمة. ولكن حذارِ أن نتصور أن الخلاف كان في أساسه وجذوره دينياً أو عقدياً، أؤكد هنا وبقوة أنه كان سياسياً، نعم الخلاف الأول كان سياسياً؛ فقد كان معاوية رضي الله عنه يرى التعجيل في القبض على قاتلي عثمان في حين كان الإمام علي رضي الله عنه يرى ضرورة التروي والتمهل إلى أن تخمد الفتنة.
ويوضح الإمام علي رضي الله عنه نفسه هذه الحقيقة بقوله كما في نهج البلاغة: «وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا شيئاً إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان».
وعندما فُجعت الأمة بالجريمة الكبرى، والمصيبة العظمى، والكارثة التى يتردد صداها في وجدان المؤمنين على طول الزمن ألماً وحسرة وحرقة وغضباً فقد سفكت أطهر الدماء وأزكاها إنّه حب رسول الله وسيد شباب أهل الجنة، السبطُ الكريم، نجل الزهراء، وشقيق الحسن عليهم جميعاً سلام الله تعالى ورحمته وبركاته، وقعت هذه الجريمة من قبل شرذمة من القتلة المجرمين ولم يزل أهل السنة يستنكرون فعل يزيد وقواده كعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد،وغيرهم ويتبرؤون منهم، ويستفظعون شهادة الحسين ومن كان معه من آل البيت غاية الاستفظاع. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: «وهل يحبُّ يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟!».وقال ابن تيمية: «والحسين رضي الله عنه أكرمه الله بالشهادة في هذا اليوم، وأهان بذلك من قتله أو أعان على قتله او رضي بقتله، وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء، فإنّه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد تربيا في عز الإسلام.....وأكرمهما الله تعالى بالشهادة تكميلاً لكرامتهما ورفعاً لدرجتهما؛ وقتله مصيبة عظيمة».
واستمر الإجلال لآل البيت المطهرين الكرام في وجدان المسلمين وفي تعاليم علمائهم وأئمتهم جيلاً بعد جيل، ولا يخلو كتاب في التراجم أو في الزهد من ذكر لمكارم وفضائل العترة المشرفة من الطهر والعفاف، وعزة النفس وسموها، وعلو الهمة والاشتغال بالعبادة، وضرب المثل العملي في الإقبال على الآخرة والزهد في الدنيا، والاشتغال بخاصة النفس، والربانية الإسلامية الصادقة، والنصح للإسلام والمسلمين، وحرصهم الشديد على اجتماع كلمتهم وانتظام شملهم.
شهادة الحسين توحدنا على المعاني التي استشهد لأجلها
فإذا كان موقفنا معاً سنة وشيعة من آل البيت الكرام موقف الحب والإجلال والتكريم؛ فإن الأَوْلى بشهادة الحسين بما تمثله من قيم وعبر ومُثُل أن تكون مدعاة تجميع، ووحدة، وحب، وتلاق، واستلهام للمعاني والقيم الشريفة النبيلة التي قضى من أجلها وفي سبيلها عليه من الله سحائب الرحمة والرضوان.
لنخُرج إذاً في ذكرى عاشوراء من قلوبنا ومشاعرنا وصفحات تاريخنا كلَّ ما من شأنه أن يُباعد، أو يفرق بيننا. فنحن جميعاً أتباع محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأحباب الحسين. ولا يجوز أبداً لا في منطق التاريخ، ولا في قيم الإسلام والإيمان، ولا بما نعقله من القرآن أن نضع قطرةً واحدة من دم الحسين الطاهر، أو دم مَن قضى معه من الأطهار والأخيار، في عنق أو مسؤولية أحدٍ من أهل السنة، أو أن نأخذه بجريرة القتلة المجرمين الذين أطبقت الأمة على شنيع فعلتهم، وقبيح ما ارتكبت أيديهم، وسوء خاتمتهم وعاقبتهم.
وإذا كانت تلكم الحقائق كذلك، فلماذا نفترق؟ بل لماذا لا نتحد؟ ولدينا كل مقومات التلاقي والاتفاق، ويجمعنا دين عظيم متين به نحيا وبه نسمو ونهنأ.
إسلامنا الواحد يُحيينا ويُعلينا
في زمن التكتلات والتحالفات الدولية، وفي زمن حديث البعض عن صراع الحضارات وسعيه من أجل الإيقاع بين الشعوب والثقافات، يتأكد دورنا نحن المسلمين أن نعود خير أمة أخرجت للناس، وأن نسعى لاستعادة مكانتنا في نشر الخير على الأرض. وذلك لا يتحقق إلا بوحدتنا، ونبذ خلافاتنا، والحرص على كل ما يجمع ويوحد ويؤلف القلوب. ولأننا نرى أن الحضارة الإنسانية واحدة، وأن سبيلها عودة المسلمين إلى دينهم، الذي به عزهم ومجدهم، فإن دعوتنا إلى الوحدة المؤسسة على هذا الدين تتأكد اكثر وأكثر. فالإسلام أخرج أمة العرب من جاهلية ظلماء، أردتهم في أوحال التخلف والجهل والضعف وانعدام الوزن، والفرقة والتقاتل والتناحر والتباغض قروناً عديدة.
إن الفرقة بين المسلمين هونت أمرهم، وإن تعاليم الدين وروح العصر توجب علينا أن نجتمع في وحدة حول كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى ينادينا في قوله عز وجل: {يا أيها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته، ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}.[آل عمران: 102ـ 103].
الخاتمة
إن سبيلنا إلى الوحدة والتلاقي والتطلع إلى المستقبل الواحد المشرق ممهدة إذا صدقت النيات، وخلصت الهمم والعزائم، وقُدمت المصالح العليا علىالمصالح الآنية الضيقة. فلنتذكرعند كل أزمة، وعقب كل صلاة، ومع انبثاق كل فجر، أن الله تعالى يخاطبنا بقوله: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [ الحجرات: 10]. وأنه يرشدنا إلى طريق الخلاص بقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا} [ آل عمران: 103].
ولا يتوهمنّ أحدٌ أن المتآمرين الجاهدين على إيقاد نار الفتنة بين السنة والشيعة من قوى الاستعمار وأزلامها في عالمنا الإسلامي، أو من فئات المتطرفين الجاهلين من هنا او هناك، سيُوقفون سعيهم الخبيث عند مجرد التفريق أو التحريش بين المؤمنين سنة وشيعة. لا والله أبداً، بل سيمتد سعيُهم إن لم نأخذ على أيديهم بالردع والمنع الحازمين إلى تقسيم السُّنة أنفسهم فرقاً وأحزاباً، وإلى تفتيت الشيعة على المنوال نفسه. لأن العداوة هي للقرآن وأهله، وللإسلام وأتباعه عامة بغض النظر عن المذهب أو الطائفة. والمشروع الصهيوني جاثم يتربص بنا جميعاً فهلا تنبهّنا.
هل من عبرة؟
بعد كل هذا العرض فهل من المعقول استصحاب هذه المأساة في حياتنا عبر العصور، وتحميل مسؤوليتها لأناس لا كانوا، ولا شهدوا، ولا رَضَوْا. ثم بناء المواقف على أساسها، وجعلها سبباً للنيل من عِرْضِ جماعة من الصحابة رضي الله عنهم؟
وما لا شك فيه أن الصحابة، حيث إنهم بشر، يصيبون ويخطئون، ولكن لا يجوز شرعاً أن يُستغلّ خطؤهم للنيل منهم، إذ الطعنُ في أحد من الصحابة معصيةٌ لا شك في ذلك، ومنهم من جعله عنواناً للزندقة والعياذ بالله تعالى. فقد نقل عن أبي حاتم الرازي قوله: إذا رأيت الرجل يطعن في أحد من الصحابة فاعلم بأنه زنديق.
والمطلوب هو الاستفادةُ من الأخطاء التي رافقت هذا الحدث التاريخي المفجع، وتثميرُها في محاولات جادة لرأب الصدع في الأمة المسلمة الواحدة، وتوجيهُ الطاقات نحو العدو المتربص بهذه الأمة وهذا الدين، لا أن تُتَّخَذَ هذه الأحداثُ التاريخيةُ ستاراً للعب دور المساعد لعدو الإسلام في التسلل إلى بلاده وسرقة خيراته. كما أنه لا يجوز أن تُزرعَ في عقول الناس تصوراتٌ خاطئة، أوتُنْصَبَ خلافاتٌ وهميةٌ بين آل البيت وأهل السنة، وكأن آل البيت لا علاقة لهم بالسنة، أو الزعمَ بأنَّ أهل السنة والجماعة، والشيعة يسمونهم العامّة، يصومون يوم عاشوراء سروراً بمقتل الحسين عليه السلام، أو الغلوَ في الدفاع عن يزيد بن معاوية، لدرجة أنّ البعضَ جعله صحابياً، حيث التبس عليه يزيد بن معاوية بعمه يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه، أحد قادة الفتح الإسلامي لبلاد الشام.
أو على أبعد تقدير أن تكون الخصومةُ خصومة أكابر، تبقى ضمن دائرتها الخلافية، فلا تتعداها إلى إثارة حروب لا تبقي ولا تذر.
وقد شهدنا في عصرنا استغلالا شنيعا لهذه الموضوعات خدمة لمآرب سياسية لا تمت إلى الدين والأخلاق بصلة. وشهدنا طفرة إعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي تزرع الشقاق والبغض والكره بين المسلمين، وتبث الكفر والضلال تحت مسمى الغيرة على الدين. والدين وآل البيت والصحابة الكرام برآء من كل ذلك. وما أجمل قول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب بها لساني».
* مفتي طرابلس والشمال.






