بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 نيسان 2026 12:00ص فضيلة الصمت في زمن الفتن

حجم الخط
في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد نحتاج جميعا وبشدة إلى أن نتعلم ماذا تعني «فضيلة الصمت» في مثل تلك الظروف... لا لأن الصمت دليل ضعف أو جهل، وإنما لأنه دلالة على الوعي وعلى حسن إدراكنا للمسؤولية التي نحن مطالبون بها.
وحين أقول الصمت فأنا أتحدث هنا عن ترجمة حضارية لوعي إيماني وفكري ووطني لا بد أن يتجلى في بلادنا، خاصة وأننا ومنذ أيام طويلة نلاحظ جميعا كيف أن خمسة ملايين مواطن لبناني (وهم تعداد السكان تقريبا) تحولوا إلى محللين سياسيين واستراتيجيين وعسكريين واقتصاديين من حولنا..؟!
بل بات كل واحد منهم يطلق الكلام على عواهنه كيفما شاء ووقتما شاء وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكأنه إمام عصره وفريد زمانه والعالم الوحيد بما ورائيات الأمور..؟!
أيها الشعب اللبناني بمختلف فئاته.. نبينا الكريم صلى االله عليه وسلم بين لنا بما لا يدع مجالا للشك أن من صفات المؤمن الحقيقي أنه يعيش في كل أمور حياته بين فضيلتين، فضيلو قول الخير أو فضيلة الصمت، فقال صلى االله عليه وسلم (مَن كانَ يُؤمِنُ بااللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ).. 
بل إنني أقرأ قول النبي صلى االله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» فألمس فيه توجيها نبويا واضحا بأن الحديث بما لا نعلم ولا ندرك هو نشر للشائعات الفاسدة التي تضر بالمجتمع من كل النواحي...؟!
ثم أقرأ قوله صلى االله عليه وسلم : «إن االله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».. فأرى بأم عيني كيف انقلب المجتمع بمفاهيمه وسلوكياته حتى أصبح «القيل والقال» أساسا فيه وإن كان على غير بينة..؟! 
نعم.. منذ أسابيع وجميعنا نراقب ما يدور في بلادنا، ولكن أتساءل وبجدية.. ألم يقرأ هؤلاء ما قاله رسولنا الكريم صلى االله عليه وسلم: « أنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا».. فكيف إن كان المجادل غير محق.. ولا يعلم.. وليس لديه بينة.. وليس من أهل الذكر ولا من أهل الاختصاص.. ولا يعلم عن الأمر شيئا لا من قريب ولا من بعيد... فكيف سيكون الحال عندها..؟!
ثم .. ألا تعتبر هذه الآفة من الفواحش التي نهانا الإسلام عنها حين قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، لما تحمل في طياتها من مخاطر أمنية ونفسية واجتماعية على مختلف أفراد المجتمع.
ألم تروا قلق الأمهات وخوف الأطفال واضطراب الأحوال من حولنا..؟!، فهل فوق كل هذا نزيد على أزماتنا أزمات جديدة نحن من نصنعها ونروج لها بل ونتفاخر بها..!؟
إننا في هذه الأيام  العصيبة نحتاج كلنا -ونعم كلنا- إلى أن نلتزم بالمسؤولية الكبرى التي تحمي البلاد من كل شر أو ضر أو سوء أو فساد أو فتنة، كما نحتاج إلى أن ننمي فضائل الصمت الإيماني في نفوسنا فلا نتحدث بأي كلمة قد تؤدي إلى بلبلة نفسية أو اجتماعية أو إلى نشر ما هو غير صحيح..؟!
أيها السادة.. إن التحدث بما لا نعلم ولا نفقه هو من الفتنة التي قد تقلب الطاولة رأسا على عقب ونصبح جميعا من الخاسرين... فالكلمة نور وأحيانا هي قبور... فإياكم أن تكونوا بألسنتكم ممن حفروا القبور ثم رموا الناس فيها...فإن سيدنا عمر رضي االله عنه قال: (إياكم والفتن .. فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف)... فهل سنرتقي إلى هذا المستوى..؟! 

bahaasalam@yahoo.com