مرصد الأزهر: آثار التطرّف الرقمي تحدّيات جديدة أمام المجتمعات المعاصرة
شهدت مدينة مودينا الإيطالية حادثة دهس وطعن أثارت جدلاً واسعاً حول ما يُعرف بـ «التطرف الرقمي»، بوصفه أحد أبرز التحديات النفسية والاجتماعية المعاصرة، وأسفرت الحادثة، التي وقعت عصر السبت 16 آيار 2026 في شارع إيميليا، عن إصابة ثمانية أشخاص، أربعة منهم في حالة خطيرة. وتشير التحقيقات الأولية إلى أن المتهم، المولود في إيطاليا ويحمل الجنسية الإيطالية ومن أصول عربية، كان يعيش في عزلة شبه كاملة داخل العالم الرقمي، فيما صادرت الشرطة عدداً كبيراً من الأجهزة الإلكترونية والكتابات الشخصية من منزله.
ورغم تأكيد السلطات الإيطالية حتى الآن أن الحادثة لا تُصنَّف عملاً إرهابيًّا، مع ترجيح فرضية الاضطراب النفسي، فإن بعض الباحثين والمراقبين يشيرون إلى أن الانغماس المفرط في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الهشاشة النفسية والعزلة الاجتماعية، قد يسهم في فقدان الإحساس بالواقع والانفصال التدريجي عن المجتمع. وكان المتهم قد خضع للعلاج في مركز للصحة النفسية بين عامي 2022 و2024 قبل أن ينقطع عن المتابعة العلاجية.
التطرف الرقمي
وقال مرصد الأزهر في تقرير له أنه في هذا السياق، تشير دراسات حديثة إلى أن ما يُعرف بـ «التطرف الرقمي» لا يرتبط بالضرورة بالتنظيمات الإرهابية التقليدية، بل قد ينشأ من العزلة والتعرض المستمر للمحتوى العنيف أو السلبي، والانغماس في البيئات الافتراضية المغلقة. ويحذّر مختصون من أن هذا النمط من التأثير الرقمي قد يتطور بصمت داخل الأفراد دون مؤشرات واضحة، خصوصاً لدى من يعانون اضطرابات نفسية أو هشاشة اجتماعية.
وتوضح دراسات صادرة عن جامعات ومراكز بحثية، من بينها جامعة هارفارد، أن ظواهر مثل «التمرير القهري للأخبار السلبية (Doomscrolling)» والتعرّض المزمن للمحتوى المثير للقلق والعنف، تؤثر سلباً في الصحة النفسية، وترفع مستويات التوتر والقلق والعزلة واضطرابات الإدراك. كما أظهرت دراسة نُشرت في مجلة «نيتشر» مطلع عام 2026 وجود علاقة بين إدمان وسائل التواصل الاجتماعي وتفاقم مشكلات الصحة النفسية لدى الشباب وطلاب الجامعات، مع التأكيد على أهمية الدعم الاجتماعي والمرونة النفسية في الحد من هذه التأثيرات.
وفي حين يرتبط التطرف التقليدي عادةً بتنظيمات متشددة وخطابات أيديولوجية واضحة يمكن رصدها أمنيًّا واجتماعيًّا، فإن «التطرف الرقمي» يتشكّل بصورة أكثر هدوءاً وخفاءً داخل العزلة الافتراضية، فالأول يعتمد غالباً على التجنيد المباشر والانتماء الفكري العلني، بينما ينمو الثاني تدريجيًّا عبر التعرّض المستمر للمحتوى السلبي والعنيف، وما يصاحبه من اضطرابات نفسية وشعور متزايد بالانفصال عن الواقع.
ومن هنا، يرى مختصون أن معالجة ظاهرة التطرف لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تتطلب فهماً أوسع للعوامل النفسية والاجتماعية التي تدفع بعض الأفراد، ولا سيما من فئات الشباب، نحو العزلة والتطرف والسلوك العنيف.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير أدوات الوقاية النفسية والتربوية، وإعادة التوازن بين الحياة الواقعية والعالم الرقمي، في ظل عالم باتت فيه التأثيرات الافتراضية قادرة على إعادة تشكيل وعي الأفراد وسلوكهم بصورة عميقة ومتسارعة.






