اتفاق الإطار الثلاثي لعام 2026 واتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية لعام 1949/ هل يتكاملا؟
يشكل توقيع اتفاق الإطار الثلاثي في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026 محطة سياسية وأمنية جديدة في مسار النزاع اللبناني–الإسرائيلي، ليس لأنّه أنهى النزاع أو رسم معالم سلام دائم، وإنّما لأنّه فتح الباب أمام إعادة النظر في البنية القانونية والأمنية التي حكمت العلاقة بين البلدين منذ عام 1949. ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل يمثل الاتفاق الجديد بديلاً عن اتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية للعام 1949، أم أنّه يمكن أن يكون امتداداً لها وأداة لتفعيلها في ظل التحولات الإقليمية الراهنة؟
في تقديري، لا ينبغي النظر إلى الاتفاقين باعتبارهما متعارضين أو متنافسين، بل باعتبارهما ينتميان إلى مستويين مختلفين من التنظيم القانوني والسياسي. فاتفاقية الهدنة لعام 1949 أرست القواعد القانونية الأساسية لإدارة النزاع، في حين يوفر اتفاق الإطار الثلاثي آليات سياسية وتنفيذية يمكن أن تعيد الحياة إلى تلك القواعد بعد عقود طويلة من الجمود.
لقد أثبت التاريخ أنّ اتفاقية الهدنة لم تكن مجرد وثيقة مؤقتة فرضتها ظروف ما بعد حرب عام 1948، بل شكّلت الإطار القانوني الوحيد الذي نظم العلاقة العسكرية بين لبنان وإسرائيل لعقود طويلة. والأهم من ذلك أنّ الأمم المتحدة لم تعتبرها في أي مرحلة ملغاة، رغم إعلان إسرائيل بعد حرب حزيران/يونيو 1967 أنّها لم تعد تعتبر نفسها ملتزمة بها. بل إنّ مجلس الأمن واصل التعامل مع الاتفاقية باعتبارها جزءاً من المرجعية القانونية للنزاع، وهو ما انعكس في قراراته اللاحقة، وصولاً إلى القرار 1701 الذي أعاد التأكيد على ضرورة وقف الأعمال العدائية واحترام الخطوط الفاصلة وتعزيز وجود الجيش اللبناني والقوات الدولية في الجنوب.
ومن هذا المنطلق، يصعب القول إنّ اتفاق الإطار الثلاثي أنشأ نظاماً قانونياً جديداً بديلاً عن اتفاقية الهدنة، لأنّ طبيعة الاتفاقين مختلفة. فالهدنة تؤسس للمبادئ القانونية الناظمة للعلاقة العسكرية بين الدولتين، أما الاتفاق الجديد فيركز على إدارة الوقائع الميدانية التي أفرزتها الحرب الأخيرة، وعلى إيجاد آليات لتنفيذ الانسحاب، ومنع التصعيد، وإطلاق مسارات تفاوضية حول الملفات العالقة.
والقراءة القانونية السليمة تقتضي التعامل مع اتفاقية الهدنة باعتبارها "الإطار المرجعي"، بينما يشكل اتفاق الإطار الثلاثي "الإطار التنفيذي". فالمرجعية القانونية لا تتغير بتغير الظروف السياسية، لكنّ وسائل تنفيذها تتطور بتطور البيئة الأمنية والتوازنات الدولية.
غير أنّ نجاح هذا التكامل يقتضي إعادة بناء المؤسسات التي نصّت عليها اتفاقية الهدنة بما يتلاءم مع القرن الحادي والعشرين. فقد نصّت الاتفاقية على إنشاء لجنة الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية المشتركة ILMAC لمراقبة الهدنة ومعالجة الحوادث الحدودية، إلا أن هذه اللجنة رغم استمرار وجودها فقد توقفت عن أداء دورها منذ عقود. واليوم تبدو الحاجة ملحة لإعادة إحيائها بصيغة حديثة تضم لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة، مع دور ضامن للولايات المتحدة، وربما مشاركة خبرات دولية متخصصة في المراقبة والتحقق وتسوية الحوادث الميدانية. وبدلاً من أن تكون لجنة شكلية، يمكن أن تتحول إلى مركز عمليات دائم يمنع الانزلاق نحو المواجهة ويعالج الخروقات بصورة فورية.
كما أنّ التكامل الحقيقي يقتضي عدم التعامل مع اتفاقية الهدنة، والقرار 1701، واتفاق الإطار الثلاثي بوصفها منظومات منفصلة، بل باعتبارها حلقات متتابعة في تطور النظام الأمني على الحدود الجنوبية. فالهدنة وضعت الأساس القانوني، والقرار 1701 وسّع الإطار الدولي وأعاد انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل، أما الاتفاق الثلاثي فيستطيع أن يوفر الأدوات التنفيذية اللازمة لإدارة المرحلة المقبلة، ولا سيّما إذا شهدت المنطقة تعديلاً في دور القوة الدولية أو إعادة هيكلة لآليات المراقبة.
لكنّ النصوص القانونية وحدها لا تكفي. فالمشكلة الحقيقية تكمن في البيئة السياسية والإقليمية التي ستعمل فيها هذه المنظومة.
فإيران تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها جزءاً من معادلة الردع الإقليمية، وأي اتفاق يُفسَّر على أنّه يهدف إلى تقليص نفوذها سيواجه بطبيعة الحال مقاومة سياسية أو غير مباشرة. أما إذا جاء ضمن تفاهمات أمريكية–إيرانية أوسع تعيد تنظيم النفوذ في المنطقة، فقد يصبح جزءاً من تسوية إقليمية لا من مواجهة جديدة.
أما حزب الله، فيمثل التحدي الأكثر تعقيداً، لأنّ اتفاقية الهدنة أُبرمت بين دولتين، بينما أفرزت العقود الماضية وجود قوة عسكرية غير حكومية أصبحت لاعباً رئيسياً في معادلة الأمن على الحدود. ومن هنا فإنّ مستقبل أي نظام أمني جديد سيعتمد على قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها بصورة تدريجية، وعلى بناء استراتيجية دفاعية وطنية تجعل قرار استخدام القوة قراراً سيادياً موحداً، من دون أن يؤدي ذلك إلى اهتزاز الاستقرار الداخلي أو انقسام وطني جديد.
وفي المقابل، فإنّ إسرائيل مطالبة أيضاً بإعادة النظر في مقاربتها الأمنية. فالضمانات الأمنية لا يمكن أن تقوم على التفوق العسكري وحده، بل على الالتزام المتبادل بتنفيذ التعهدات، واحترام السيادة، والانسحاب من الأراضي التي يشملها الاتفاق، ووقف الانتهاكات المتكررة، لأنّ أي اتفاق يفرض التزامات على طرف واحد محكوم بالفشل منذ البداية.
ويبقى الدور الأميركي عاملاً حاسماً في نجاح هذه المعادلة. فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على لعب دور الضامن والوسيط والداعم السياسي والمالي، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بإدارة التوازنات بحكمة، لأنّ أي انحياز ظاهر قد يقوّض الثقة بآليات التنفيذ ويعيد المنطقة إلى دوامة التصعيد.
ومن هنا، فإنّ المصلحة اللبنانية تقتضي الدفاع عن رؤية متكاملة تقوم على أنّ اتفاقية الهدنة ليست عقبة أمام الاتفاق الجديد، بل مصدر قوته القانونية. فالتمسك بالهدنة يعني الحفاظ على مرجعية دولية معترف بها، وعدم تحويل أي ترتيبات أمنية مؤقتة إلى بديل عن الحقوق القانونية الثابتة للبنان، سواء في ما يتعلق بالأراضي المحتلة أو بالسيادة الوطنية.
إنّ مستقبل الجنوب اللبناني لا يحتاج إلى إنتاج مرجعيات جديدة بقدر ما يحتاج إلى حسن توظيف المرجعيات القائمة. فالتاريخ القانوني للنزاع يوفر أساساً متيناً، وما ينقصه هو الإرادة السياسية وآليات التنفيذ الفاعلة. وإذا نجح لبنان في الربط بين اتفاقية الهدنة، والقرار 1701، واتفاق الإطار الثلاثي ضمن رؤية وطنية واحدة، فإنّه لن يكون قد أدار أزمة حدودية فحسب، بل سيكون قد أسس لنظام أمني جديد يقوم على الشرعية الدولية، ويعزز دور الدولة، ويحد من احتمالات العودة إلى الحرب.
وفي الختام، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يتكامل اتفاق الإطار الثلاثي مع اتفاقية الهدنة؟ بل السؤال الأهم هو: هل يمتلك لبنان، في هذه اللحظة الإقليمية الفاصلة، الإرادة السياسية لتحويل هذا التكامل إلى مشروع وطني يعيد للدولة وحدها حق إدارة الأمن والحدود، ويثبت حقوقها استناداً إلى القانون الدولي، لا إلى موازين القوى المتغيرة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان الاتفاق الجديد سيكون بداية مرحلة استقرار مستدام، أم مجرد محطة إضافية في دورة متكررة من الهدن المؤقتة والحروب المفتوحة.
(* أستاذ جامعي وباحث في القانون الدولي والقانون الدستوري، ومؤلف كتاب "اتفاقية الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية لعام 1949 في ضوء القانون الدولي" الصادر عن دار النهار للنشر.)






