في بلدٍ اعتاد أن يُدار بالأزمات ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح منذ سنوات، من يتكلم باسم المواطنين حين تصمت الدولة؟ ومن يملأ الفراغ حين تتحوّل المؤسسات إلى واجهاتٍ لمحاصصة الزعامات الميليشياوية؟
يقف لبنان اليوم على مفترق وجودي بين خيارَيْن لا ثالث لهما، إما إعادة بناء شراكة وطنية حقيقية تُعيد للدولة معناها وإما الانزلاق نهائياً نحو نموذج الدويلات المتوازية التي تتقاسم الجغرافيا وتتنازع السيادة. في هذا السياق تداعى عددٌ من الناشطين الغيورين على المصلحة الوطنيّة والسنيّة إلى تشكيل «المجلس الوطني الإسلامي» لا كإجابة جاهزة ولا كعنوان إنقاذي يدّعي امتلاك المفاتيح بل كمحاولة جادة لإعادة تنظيم طاقة مجتمعية سنيّة باتت تعاني من التشرذم في لحظة لا تحتمل تأجيلاً.
في السبعينيات والثمانينيات حين كان لبنان يتفتت تحت وطأة الحرب الأهلية كان ثمة صوت يرتفع فوق ضجيج السلاح، صوت المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد الذي أدار ما عُرف بـ«اللقاء الوطني الإسلامي» بحكمة نادرة. لم يكن ذلك اللقاء منبراً طائفياً ضيقاً بل مساحةً للحوار الوطني الجامع. كان المفتي يفهم بفطرة المُجدِّد لا بتقليد المحافظ أن قضية الطائفة السنيّة مرتبطة بقضية الدولة وجوداً وسقوطاً.
غير أن اغتياله عام 1989 لم يُسقط رجلاً فحسب بل أسقط مشروعاً. وفي الفراغ الذي خلّفه بدأت تتشكّل معادلات جديدة عنوانها التبعيّة لم تكن في مصلحة الدولة ولا في مصلحة المجتمع السني تحديداً.
جاء اتفاق الطائف حاملاً وعداً بإعادة البناء على أسس أكثر توازناً. بيد أن الميليشيات برعاية نظام الأسد البائد شوّهت خطط تطبيقه، فسيطرت منظومة المحاصصة على مفاصل الدولة، وحوّلت الطوائف من شركاء في بناء وطن إلى حصص يحتكرها زعماء سلطة الأمر الواقع. وفي هذه اللعبة كان الثمن الأكبر يُدفع من رصيد الدولة ذاتها بعد تدمير كيانيّة الطائفة السنية وتشريدها. فحين يدخل فريقٌ إلى طاولة المحاصصة يحمل سلاحاً لا يُناقَش ونفوذاً إقليمياً لا يُحاسَب، يتحوّل التوازن إلى هيمنة والشراكة إلى تبعية مُزيَّنة بعناوين ديمقراطية.
وجاء اغتيال الرئيس الحريري ليعمّق الأزمة، مستتبعاً بانسحاب تيار المستقبل من الحياة السياسية الفاعلة. بصرف النظر عن الأسباب والتحفظات على أدائه فإن هذا الانسحاب خلّف فراغاً تمثيلياً حقيقياً لدى شريحة واسعة من اللبنانيين السٌنّة، شعرت معه بأنها باتت بلا سقف سياسي وبلا صوت في معادلة الحكم. هذا الفراغ لا يُملأ بالأحزاب المتنافسة ولا بالزعامات الفردية ولا بحشود العاطفة بلا برنامج، إنما يُملأ بمؤسسة.
لفهم طبيعة «المجلس الوطني الإسلامي» يستلزم أولاً فهم ما ليس عليه، فهو ليس حزباً سياسياً يتنافس على الحصص والمناصب وليس جمعيةً خيرية تُعالج الأعراض دون أن تمس الجذور، وليس تياراً دينياً يُقدّم رؤية فقهية للحكم. المجلس هو بالمعنى المؤسسي الدقيق إطارٌ تنظيمي جامع يسعى إلى توحيد المرجعيات والشخصيات والجمعيات والمؤسسات السنيّة اللبنانية تحت مظلة عمل مشترك، قائم على الميثاق والمعايير لا على الولاء الشخصي وعلى التوثيق لا على الشعار.
وكما كان «اللقاء الوطني الإسلامي» يرفض أن يكون أداةً لفريق على حساب آخر، يرفض «المجلس الوطني الإسلامي» أن يُختزل في اصطفاف داخلي ضيّق أو محور إقليمي. والفارق بين التجربتين يكمن في السياق، فالمفتي خالد واجه تحدي الحفاظ على الدولة من الانهيار، أما المجلس فيُولد في مرحلة ما بعد انهيار فعلي حيث التحدي إعادة البناء من الصفر أو ربما من ما دون الصفر.
حدّد المجلس لنفسه خمسة محاور عمل كل واحد منها إجابة مباشرة على إشكالية قائمة:
أولاً، تصحيح التمثيل في مؤسسات الدولة، حين لا تعكس نسبة مكوّن لبناني في مراكز الفئة الأولى والقضاء والدبلوماسية و... وزنَه الوطني الحقيقي، فهذا خللٌ لا تُصحّحه الشكاوى الفردية، بل يستلزم رصداً منهجياً ومطالبةً منظّمة.
ثانياً، الإنماء المتوازن في المناطق المهمَّشة، تحوّل الشمال اللبناني وأحياء بيروت الشعبية ومناطق البقاع إلى بقع منسية في خريطة التنمية. هذا التهميش ليس قدراً بل سياسة ممنهجة لا تُعالَج بالتبرعات بل بالمحاسبة المؤسسية.
ثالثاً، العدالة الانتقالية وإغلاق ملفات الاعتقال السياسي، فالجراح لا تلتئم بالصمت. أي مشروع جدي لا يمكن أن يتجاهل الظلم الذي طال أبناء الطائفة، من الاغتيالات إلى الاعتقالات التعسفية، ومن المحاكمات الشكلية أمام المحكمة العسكرية إلى ملفات لا تزال معلّقة دون خجل أو مراجعة لتصحيح المسار.
رابعاً، تعزيز الاستقرار ومنع توظيف لبنان منصةً عدائية، فلبنان بات يُستخدم ساحةً لمشاريع لا تعترف بسيادته، وهذا التوظيف يدمر علاقاته بمحيطه العربي الطبيعي ويضر الجميع.
خامساً، نصرة القضايا العادلة، صياغة متعمدة الانفتاح تُتيح للمجلس التحرك في فضاءات متعددة، من القضية الفلسطينية إلى قضايا الكرامة والعدالة في المنطقة والعالم.
لن يستعيد لبنان دوره في محيطه ما لم يُعالج خالله الداخلي أولاً. فلبنانٌ تحل فيه ميليشيا مسلحة مكان مؤسسات دولة مشلولة لا يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً لأحد. والمطلوب ليس العودة إلى لبنان ما قبل الحرب ذلك النموذج الذي كان يحمل بذور أزماته، بل إعادة تأسيس العقد الوطني على شراكة حقيقية عنوانها دولة المؤسسات وفق أسس الطائف والدستور ودولةٌ مؤسسات ترتكز على ميثاقيّة مقدمة الدستور ذات سيادة لا تتقاسمها الميليشيات، وانتماءٌ عربي فاعل لا انتماء تكتيكي انتهازي.
التحديات ضخمة والبيئة الحاضنة نفسها متشككة ومترددة، والمنظومة السياسية لها مصلحة في استمرار التشرذم وسؤال التمويل والاستقلالية سيطرح نفسه عاجلاً أم آجلاً. لكن لم تبقَ رفاهية التردد. الفراغ جريمة ومن لا ينظّم وجوده يتركه للآخرين وتشويهات ألاعيب المتاجرة السياسيّة.
حين اغتيل المفتي حسن خالد كتب عنه كثيرون أنه كان «يبني جسراً» والجسور في السياسة اللبنانية كثيراً ما تُهدم قبل اكتمالها. لكن الجسور المهدومة لا تلغي الحاجة إلى العبور بل تُضاعفها.
حين يقول «المجلس الوطني الإسلامي» إن مشروعه قائم على وحدة بلا إلغاء وتأثير بلا صدام وشراكة بلا تبعية، يُعلن رفضه لكل نماذج الفشل السابقة سواء الوحدة القسرية التي تُلغي الخصوصيات، والصدام العشوائي الذي يُبدد الطاقات، والشراكة الزبائنية التي تُذيب الهوية. والرهان اليوم أن يتحول الوهن إلى غضب بنّاء، عنوانه قيادة مشروع وطني إنقاذي ينقل لبنان من التبعية للمحاور إلى الشراكة الحقيقيّة في الداخل والشراكة مع محيطه العربي والدولي. وهذا وحده كافٍ سبباً لأن يُعطى هذا المجلس فرصته... ويُحاسَب عليها.