• «الرسم بالنور».. هندسة الخط وعمارة خيوط الذهب
لم تكن الكتابة على كسوة الكعبة المشرّفة مجرد خط عربي جميل يُخط على القماش؛ بل كانت عملية هندسية بالغة التعقيد، تتطلب دراسة عميقة لزوايا الرؤية وانعكاسات الإضاءة الطبيعية. وقد اعتمد «الأسطوات» في تطريز الآيات القرآنية خط «الثلث الجلي»، وهو أصعب الخطوط العربية قاطبة، وأكثرها هيبة وجلالاً، وذلك لسبب تقني ووظيفي دقيق؛ فالكعبة المشرّفة بناء مكعب شاهق الارتفاع، والخط المكتوب على حزامها العلوي يجب أن يكون ضخماً، متزناً، وواضحاً، ليتمكن الطائفون في الصحن من قراءته بوضوح تام من الأسفل، دون أن تؤثر في وضوحه أشعة الشمس الحجازية اللاهبة أو ظلال جبال مكة المحيطة.
ويصف لنا المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في حولياته التاريخية عملية «الرسم بالذهب» واصفاً إياها بدقّة مذهلة؛ إذ تبدأ الرحلة بقيام كبار خطاطي العصر بوضع «البروفات» ورسم الحروف بقلم القصب على أوراق كرتونية ضخمة. بعد اعتماد الخطوط، تُثقب هوامش الحروف بإبر دقيقة، ثم تُوضع الأوراق فوق قماش الحرير الأسود السادة، ويُرش عليها مسحوق أبيض (السبيداج) لينفذ عبر الثقوب تاركاً أثراً دقيقاً للآيات على القماش.
بعدها، تبدأ مرحلة هندسية مدهشة تُسمّى «الحشو»؛ حيث يقوم الحرفيون بملء فراغات الحروف بخيوط من القطن الأبيض السميك أو الكتان لتأخذ شكلاً بارزاً ومجسماً. ثم تأتي المرحلة الأكثر تعقيداً وخطورة، وهي تغطية هذا البروز القطني بأسلاك «الفضة الخالصة المطلية بالذهب النقي». كانت هذه الأسلاك المعدنية الدقيقة تُجلب خصيصاً من مناجم معينة، وتُسحب بآلات تقليدية حتى تصبح برقة الشعر، ثم تُعالج بطرق سرية لتقاوم عومل الرطوبة، والرياح، والصدأ لسنوات طويلة. وكان الصناع يفتخرون بأن خيوطهم المذهبة لا تسودُّ أبداً مهما لفحتها رمال الصحراء، أو بللتها أمطار مكة الموسمية الغزيرة، لتبقى تتلألأ في عتمة الليل كأنها منسوجة من نور خالص.
• «البرقع».. لغز الستارة التي تذهل عقول الطائفين
إذا كانت الكسوة بأمتارها الممتدة تمثّل ثوب الجلال، فإن «البرقع» وهو الاسم التراثي لستارة باب الكعبة المشرّفة، هو بلا شك «جوهرة التاج» والقطعة الفنية الأثمن على الإطلاق. يبلغ طول هذه الستارة الفريدة نحو 6.5 متر وعرضها 3.5 متر، وهي القطعة الأكثر تعقيداً وكثافة في التطريز؛ إذ تكاد تخلو بقعة منها من نقش أو آية.
وينقل لنا الرحّالة الشهير ناصر خسرو في كتاباته القديمة، دهشته البالغة حين وقف أمام باب الكعبة، واصفاً كيف كانت ستارة الباب تشتمل على زخارف نباتية وهندسية إسلامية بديعة، تتداخل مع آيات الحج والتوحيد بانسجام بصري مذهل يسلب الألباب.
كانت صناعة البرقع بمفرده تستغرق عاماً كاملاً من العمل المتواصل والمنفصل عن بقية أجزاء الكسوة؛ حيث يُطرز عليه عبارات الشهادتين والآيات القرآنية بأسلوب «التداخل والتركيب»، وهو فن عبقري يجعل الحروف تعانق الزخارف الملتفة دون أن تفقد قيمتها القرائية. ويشير «أسطوات» حي الخرنفش في مذكراتهم وسجلاتهم القديمة، إلى أن البرقع كان يُصنع من قماش «الديباج» الحريري الأثقل والأمتن مقارنة بوجائب الكسوة الأخرى؛ وذلك لضمان ثبات الستارة وعدم اضطرابها أو تطايرها أمام الرياح الشديدة والعواصف التي تهب على صحن الطواف بين الحين والآخر.
وكان عامة الناس في القاهرة يترقبون بفارغ الصبر يوم الفراغ من صناعة البرقع؛ حيث كان يُعرض في احتفالية دينية وشعبية مهيبة يتقدمها العلماء وقضاة المذاهب، ويُسمح للمشتاقين بلمس أطرافه والتبرك بمس غرزاته قبل أن يُطوى بعناية فائقة ويُودع في صناديق السفر المتجهة نحو الأراضي المقدّسة.
• «غرزة البركة».. عندما يشارك الشعب في الحياكة المقدّسة
لم تكن صناعة الكسوة الشريفة مجرد وظيفة جافة يؤدّيها العمال داخل جدران الدار الرسمية، بل كانت طقساً روحياً جماعياً يحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية غاية في النبل والجمال، ولعل أبزر تجليات هذا البعد الروحي ما عُرف تاريخياً بـ «غرزة البركة».
فعندما كانت أعمال الكسوة تقترب من مراحلها النهائية والختامية قبل خروج المحمل، كان يُفتح باب الدار بشكل استثنائي وبإذن من والي البلاد، ليُسمح لعلماء الأزهر الأجلاء، والشيوخ، وأعيان المدينة، بل وأحياناً لعامة الناس من ذوي السمعة الطيبة وأصحاب الحاجات، بالدخول إلى القاعة الكبرى ووضع «غرزة واحدة» فقط بخيط الذهب أو الفضة في أحد الحروف القرآنية المكتوبة على الكسوة.
كانت هذه الغرزة الواحدة تُمثل أسمى وأغلى الأماني الروحية للمصريين والشاميين على حد سواء؛ فالمشارك في تلك الغرزة يشعر بيقين وجداني أن يده البسيطة قد ساهمت بشكل فعلي في ستر بيت الله الحرام وتزيينه. ويذكر المؤرخون أن السلاطين، والباشاوات، والوزراء كانوا يحرصون بأنفسهم على القدوم في اليوم الأخير لوضع الغرزة النهائية في «الحزام» (الشريط العلوي المذهب) إيذاناً بتمام العمل ومباركة الرحلة. هذه الروح التشاركية العجيبة حولت الكسوة من مجرد مشروع رسمي تموله الدولة، إلى «مشروع وجداني وقومي» يسكن في قلب وعقل كل مواطن، ويربطه برباط روحي متين بأرض الوحي.
• «صناديق الزنك».. عبقرية اللوجستيات لحماية النور من العواصف
أمام عظمة هذا العمل الفني وقيمته المادية والروحية الخيالية، كان يبرز تحدٍّ لوجستي وهندسي خطير: كيف يمكن نقل هذه الأقمشة الحريرية الرقيقة، الحساسة والمطرزة بآلاف الكيلومترات من المعادن الثمينة، عبر صحاري الحجاز اللاهبة، وقطع مسافات شاسعة وسط الغبار العنيف، والأمطار المباغتة، دون أن تصاب بتلف أو تمزق أو رطوبة؟
هنا تجلّت العبقرية اللوجستية والإدارية للقائمين على قوافل الحج والمحمل. كانت الكسوة لا تُطوى بشكل عشوائي، بل تُقطع إلى أجزاء محددة وفق قياسات جدران الكعبة، ثم تُلف بعناية فائقة حول أعمدة خشبية أسطوانية ضخمة مبطنة بالقطن والحرير الأبيض ناعم الملمس لمنع الاحتكاك. بعد ذلك، تُوضع هذه الأسطوانات داخل صناديق خشبية عملاقة مصنوعة من خشب «الزان» المتين المقاوم للصدمات، ومبطنة بالكامل من الداخل بطبقة سميكة من معدن «الزنك» أو الرصاص؛ وذلك لإحكام إغلاقها ومنع تسرب أي رطوبة، أو ماء، أو حشرات صحراوية قد تأكل الحرير.
ويصف لنا الرحالة الشهير جون لويس بيركهارت هذه الصناديق في مدوناته بأنها كانت بمثابة «خزائن عسكرية محصنة»، تُحمل على ظهور جمال خاصة ومميزة تُنتقى من بين آلاف الجمال لضمان ثبات خطوتها، وقلة اهتزازها أثناء السير في المنحدرات الوعرة. وكان هناك حراس ومتخصصون تُوكل إليهم مهمة مراقبة هذه الصناديق على مدار الساعة دون غفلة. وفي حال هطول الأمطار في عرض الصحراء، كانت الصناديق تُغطى على الفور بجلود الحيوانات السميكة المدهونة بالزيوت النباتية العازلة للماء. ويحفل التاريخ بحكايات بطولية لجنود القافلة وحجاجها، الذين كانوا يخلعون ملابسهم وأغطيتهم الخاصة ليلقوها فوق صناديق الكسوة عند هبوب العواصف الرملية الشديدة، تضحيةً بأنفسهم ليبقى ثوب الكعبة ناصعاً ومحفوظاً من كل سوء.
• «أنثروبولوجيا الوفاء».. المصير الوجداني للأستار القديمة
حين كان المحمل يصل إلى مكة المكرمة وتُرفع الكسوة القديمة ليوضع مكانها الثوب الجديد المذهب، لم تكن الكسوة القديمة تُرمى أو تُهمل بحال من الأحوال؛ بل كانت تبدأ رحلة جديدة ومثيرة في تاريخ الوجدانيات الإسلامية، يمكن تسميتها بـ «أنثروبولوجيا الوفاء والتبرّك».
كان شريف مكة المكرمة يتسلّم الكسوة القديمة المرفوعة باعتبارها حقاً له، ويشرف بنفسه على عملية تقطيعها وتفكيكها وفق نظام صارم وأعراف بروتوكولية دقيقة توارثتها الأجيال؛ فالقطع الكبيرة والآيات القرآنية الكاملة المكتوبة بالذهب والفضة كانت تُقدم كهدايا سلطانية بالغة القيمة لملوك وسلاطين العالم الإسلامي، وولات مصر والشام، كأعلى وسام ديني يمكن الحصول عليه. أما الأجزاء الأخرى من الحرير الأسود السادة أو الحشوات الداخيلة، فكانت تُقطع إلى مربعات صغيرة (قواشيش)، وتُباع أو تُوزع كعطايا مباركة على كبار العلماء، والفقهاء، والحجاج الصالحين، ومجاوري الحرم.
تحوّلت هذه القطع الصغيرة في بيوت القاهرة، ودمشق، وبيروت، وبغداد، وإسطنبول إلى «ذخائر بركة» وتراث عائلي مقدس؛ فكانت العائلات تضع تلك القطع الحريرية داخل إطارات خشبية مزخرفة وتُعلقها في صدار المجالس والبيوت، كشاهد حي على رحلة الحجاز، أو كإرث روحي ثمين يُتوارث من الجد إلى الحفيد. وينقل لنا الرحالة ريتشارد بيرتون في مذكراته الشامية، أنه زار بيوت العديد من أعيان دمشق وبيروت، ورأى قطعاً من الكسوة القديمة معلقة بكبرياء، وكان أصحاب تلك البيوت يرفضون التفريط فيها أو بيعها بكنوز الأرض، معتبرين أنها تحمل «رائحة مكة وأشواقها» التي لا تُقدّر بثمن، وتشكّل درعاً روحياً يحمي منازلهم من نوائب الدهر.
إن أسرار صناعة الكسوة الشريفة وحكايات «الأسطوات» في غرف الحياكة المظلمة، تخبرنا بيقين تاريخي أن المسلمين قديماً لم يكونوا ينظرون إلى هذا العمل باعتباره مجرد صناعة «غطاء» قماشي لبيت الله؛ بل كان وسيلتهم الأسمى للتعبير عن أدق تفاصيل الحب، والولاء، والإتقان الإنساني في حضرة الخالق.
****
إن تلك «الغرزات» المخلصة، والأسلاك المذهّبة التي سُحبت بالصبر، كانت في حقيقتها جسراً روحياً ممتداً يربط بين أنامل الحرفي البسيط والفقير في أزقة حي «الخرنفش» بالقاهرة، وبين عظمة وهيبة الكعبة المشرّفة في بطحاء مكة. واليوم، ونحن نتأمّل بهاء الكسوة وعبر ذكريات التاريخ، نقف إجلالاً لتلك العقول والأنامل المبدعة، التي لم تكن تطرز الحرير فحسب، بل كانت تطرز أشواق الأمة وعقيدتها في ثوبٍ واحد خلّدته الذاكرة عبر الأزمان.
- يتبع: المناسك ومكة: أشواق الروح في رحاب البيت العتيق