د. غازي قانصو
في زمنٍ يُفترَضُ أن تُصانَ فيه الطفولةُ بوصفها القيمةَ الأسمى في سُلّمِ الإنسانية، تأتي مأساةُ قتل أطفالِ مدرسةِ ميناب لتصفعَ الضميرَ العالميّ، وتكشفَ حجمَ الانحدارِ الأخلاقيّ الذي بلغته الحروبُ المعاصرة.
إنهم أطفالٌ في عمرِ الورود، لم يحملوا سلاحاً، ولم يشاركوا في صراع، كانوا فقط في صفوفهم الدراسية، يحلمون بمستقبلٍ بسيطٍ وآمن، قبل أن يُقصفوا بدمٍ بارد، ويُقتلَ منهم 168 تلميذاً شهيداً في مشهدٍ لا يمكن وصفه إلّا بأنه أفظع جريمةٍ ضدَّ الإنسانية بكلِّ المعايير.
ليست هذه الجريمةُ حدثاً عابراً في سياق حرب، بل هي انهيارٌ كاملٌ لمفهوم الحرب ذاته. فحتى في أشدِّ النزاعات قسوةً، ظلَّت المدارسُ تُعدّ مناطقَ محمية، ورمزاً للحياة والاستمرار. أما استهدافها بهذا الشكل، فهو انتقالٌ بالحرب من صراعٍ، بين قوى، إلى عدوانٍ على الوجود الإنساني نفسه.
إن الذي يقصف مدرسةً مليئةً بالأطفال، ومن يبرر أو يصمت عن ذلك، لا يمكن وصفه إلّا بأنه قد تجاوز حدود الإجرام الوحشي؛ فالحيوان المفترس، على قسوته، لا يستهدف براءةً مجتمعةً في مكانٍ واحد.
إن شهادة أطفال ميناب ليست مجرد ذكرى مأساوية في تاريخ الانسان المعاصر «المُتحضر زيفاً، المُتوَحِّشِ فِعلاً»، بل هي رسالةٌ قِيَمية أخلاقية كبرى موجهة إلى العالم أجمع:
هل ما زال في هذا العالم بقيةٌ من ضمير؟ وهل بقي للإنسانية معنى يُدافَعُ عنه؟ هذه الدماء الطاهرة تطرح سؤالاً وجودياً على النظام الدولي: ما جدوى القوانين والمواثيق إن كانت عاجزةً عن حماية الأطفال؟
إن الصمت الدَّولي، أو الاكتفاء ببعض بيانات الشجب، يُعتَبَر في حدّ ذاته شراكةً غير مباشرة في الجريمة. فمجلس الأمن، الذي يُفترض به أن يكون الحارس الأول للسلم والأمن الدوليين، يظهر مرةً أخرى بمظهر العاجز أو المتواطئ الخبيث أو العاجز عمدا، يستيقظ حين يشاء، ويغضّ الطرف حين تقتضي المصالح.
وهذا الواقع يفرض إعادة النظر في فعالية النظام الدولي برمّته، وفي مدى قدرته على حماية القيم التي تأسس عليها.
من هنا، يصبح تكريم أطفال ميناب واجباً أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً، لا مجرد فعل رمزي. إن إطلاق اسم «ميناب» على ساحات المدارس في العالم، وإحياء ذكراهم في المناهج والبرامج التربوية، وإقامة الاحتفالات في كل السّاحات، هو أقلّ ما يمكن تقديمه لإبقاء هذه الجريمة حيّة في الوعي، حتى لا تتحوّل إلى رقمٍ جديد في سجلّ النسيان. فالتكريم ليس فقط وفاءً للضحايا، بل هو أيضاً إدانةٌ دائمة للجريمة الفظيعةِ الكُبرى.
لكن التكريم وحده لا يكفي. المطلوب هو تحرّكٌ دوليّ حقيقيّ نحو تجريم استهداف المدارس، بل الإنسان أينما كان، وكائناً مَن كان، بشكلٍ قاطعٍ وصارم، ووضع آلياتٍ تنفيذية لمحاسبة المسؤولين، أياً كانوا.
إن تحريم هذا الفعل يجب أن يتحوّل من نصوصٍ قانونية إلى إرادةٍ سياسيةٍ مُلزمة، تُطبّق دون انتقائية.
إن ما جرى في ميناب ليس حادثةً معزولة، بل هو جزءٌ من مسارٍ خطيرٍ يُهدّد بتحويل العالم إلى فضاءٍ مفتوحٍ للعنف المُتَوِحِشِ غير المنضبط. وإذا لم يتم الوقوف بحزمٍ أمام هذه الجريمة، فإن الباب سيبقى مفتوحاً أمام تكرارها في أماكن أخرى.
ختاماً، إن الأطفال الشهداء في مدرسة ميناب الإيرانية لم يسقطوا فقط ضحايا، بل ارتقوا شهداء للإنسانية جمعاء. دماؤهم أمانة في أعناق العالم، وذكراهم اختبارٌ حقيقيّ لما تبقّى من قيمٍ الخيَرِ في هذا الزمن. فإما أن يستفيق الضمير العالمي، ويتحوّل إلى فعلٍ يحمي الحياة الإنسانية، لا سيما الطّفولة، وإما أن نكون جميعاً شهوداً على عصرٍ جديدٍ من التوحّش، عصر أبستين، لا مكان فيه للبراءة ولا للرحمة.