الدكتورة مُنى رسلان*
خرجت «وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة» من غار حرَّاء، وجبل الزيتون، إلى أصقاع المعمورة، لمُّ شمل ذات الإنسان في الإنسان، كي تسمو فوق الذَّاتي، الشخصي والأناني، صلاةً جماعيَّة وترنيمة إنسان يُلاقي الإنسان مع المحافظة على تمايز الخصوصيَّة، ويتبنَّى قيمة التكافل والتضامن الاجتماعيين وتميُّزهما.
«فإنِّي فقيرٌ فقيرٌ إليكَ، وإنِّي غنيٌّ غنيٌّ بك» (ترنيمة)
«اللَّهمَّ إنَّك عَفُوٌ تُحبّ العَفو، فاعفُ عنِّي» «من دعاء النبي» (صلى االله عليه وسلم) (رواه الطبرانيّ/ بحار الأنوار).
ونحن على أعتاب نهاية مرحلة ربع القرن الأوَّل من الألفية الثانية، نختبر التقدُّم المعرفي والثقافي والتعلمي والرقمي، والإنجازات المهولة في الطب والفيزياء والرياضيات والثقافة والآثار ووسائل الإعلام الحديثة، والتفوُّق الفضائي، إذ نقف على أعتاب عالم الاقتصاد الرقمي والدرون drone والتجسُّس، والطائرات الكهرومغناطيسية EMALS؛ كما يطالعنا الأذى والمُفاخرة والمَنَّ الدافعة إلى الحط من القيم المجتمعيَّة والدينيَّة والثقافيَّة والفنيَّة والمواطنة في الأوطان؛ وإيصال الفرد إلى احتقار قِيَم وجوده وعيشه زمنياً ومكانيَّاً.
كل ذاك والعالم يتسوَّر بأحاديَّة الاقتصاد وجشع حروب شركات التكنونفطية، والتكنولوجيا والتشكُّل السياسي والحزبي والفكري المُنغلق في بعض الأحيان والأماكن على نفسه.
هذا ما يطرح تساؤلاً قيمياً: أين الانفتاح في ضوضاء الرقميّة والإنسان المُبرمج، ضدًَ المستضعفين والفقراء والمعوزين في الأرض، تُلاطمهم عناصر الارهاب بأشكاله كافَّة وعنصريَّة التطرُّف والتكاذب والتدهور في القيم الأخلاقية وبعض العادات والتقاليد المجتمعيَّة، وعواصف التَّسلُّح وسواها الكثير ممَّن يضرب استقرار الدول ومؤسَّساتها كافَّة، ويضع المواطن والأنظمة في مواجهة غير كفوءة وغير متوازنة ضد بعضهم البعض؟
أين الانفتاح في فوضى الضخ الإعلامي اللامسؤول في بعض الأحيان، الَّذي يُسجِّي حُريَّة الإنسان وقيمه الفاعلة؟ وأين الأخوَّة الإنسانيَّة إزاء الهروب من حروب التهجير والإبادة؟ أين السلام وطمأنينة الإنسان في أرضه ووطنه ومجتمعه الصغير وعالمه التشاركي الكبير جداً؟
ولماذا يحتاج العالم اليوم إلى وثيقة الأخوة الإنسانية وأُطرها؟
ههُنا تسطع ضرورة تفعيل وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة في برامجنا التربويَّة ومؤَّسساتنا الأكاديميَّة والبحثيَّة وفي دور الثقافة والفن ووسائل المنصَّات الإعلامية والبودكاست، ومجالس المُفكِّرين والعُلماء المُنفتحين على عوالم الانسان الدفينة واحتياجاته نفسيَّاً واجتماعيَّاً ودينيّاً واقتصاديَّاً وثقافيَّاً وفنيَّاً وضرورة عيشه بكرامة، بهُويّة متطوّرة، وبقيم فاعليته وحضوره.
فمن خلالِ أُطر التعاون المُشترَكِ بين الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ والأزهرِ الشريفِ، تقول الوثيقة: «من خِلالِ هذه المُحادَثاتِ الأخَويَّةِ الصادِقةِ التي دارت بينَنا، وفي لقاءٍ يَملَؤُهُ الأمَلُ في غَدٍ مُشرِق لكُلِّ بني الإنسانِ، وُلِدت فكرةُ «وثيقة الأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ»، وجرى العَمَلُ عليها بإخلاصٍ وجديَّةٍ؛ لتكونَ إعلاناً مُشتَركاً عن نَوايا صالحةٍ وصادقةٍ من أجل دعوةِ كُلِّ مَن يَحمِلُونَ في قُلوبِهم إيماناً باللهِ وإيماناً بالأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ أن يَتَوحَّدُوا ويَعمَلُوا معاً من أجلِ أن تُصبِحَ هذه الوثيقة ُ دليلاً للأجيالِ القادِمةِ، يَأخُذُهم إلى ثقافةِ الاحترامِ المُتبادَلِ، في جَوٍّ من إدراكِ النِّعمةِ الإلهيَّةِ الكُبرَى التي جَعلَتْ من الخلقِ جميعاً إخوةً؛ محليَّاً وإقليمياً».
فممَِّا لا شكَّ فيه أنَّ مبدأ التفاعل الحضاري موفورٌ في الوثيقة، إذ يسود فيها منطق الدقَّة الموضوعيَّة والشهادات الإنسانيَّة الداعية إلى الأخوَّة من ذات الإنسان إلى ذات الإنسان على اعتبارها جزءاً من ذاتنا الـ «نحن» الفاعلة، وليس كما يُطلقون عليه «الآخر» وكأنَّه شبح لا علاقة لنا به.
كذلك تتضمَّنُ وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة مواثيق صادقة يستطيع أي تشكُّل سياسي أو حضاري لأي بلد أن يركن إليها، غارفاً من معينها الأصالة والمواطنة والإنسانيَّة والتعاون والترابط والتواصل والتوبة والتغافر، قيماً جامعة لصيرورة حياتيَّة تفاعليَّة، تشاركيَّة وتضامنيَّة.
في «وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة» الداعية إلى الحريَّة والتلاقي، الحوار والانفتاح، إلى تعليم المرأة وتحفيز قُدراتها في المجتمعات كافة، وحفظ الإنسان (نساء وأطفالاً ورجالاً وشيوخاً..) وتكريم القيم المجتمعية الدينية والوطنية كافة بخصوصيَّتها وانميازها، فعل رجاء إلى قلوبنا جميعنا، كي نحملُ هذه الوثيقة على عاتقنا حياة وجود.
وقد شكّل اللقاء الذي جمع حاضرة الفاتيكان والأزهر الشريف، البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الإمام الاًكبر أحمد الطيبُّ في أبو ظبي العام ٢٠١٩، حاضنة تحوُّل في مسار حوار الأديان. ومن غار حراء وُلِدت «وثيقة الأخوّة الإنسانيّة من أجل السلام العالمي والعيش المُشترك»، كي تفتح حقبة جديدة في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، نداءً إلى «الضمير الإنساني»، كما «الضمير الجمعي»، نحو حريّة الانسان والعدالة، والكرامة حقاً مُقدّساً.
في «وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة» العالميَّة، كما أُطلق عليها، عالمية الوجود، نُرسَّخ سلاماً حضاريَّاً وإنسانيَّاً ممتزجاً بالمحبَّة الكونيَّة.
***********
* أستاذة النقد الأدبي الحديث والأدب المُقارن، أدب ما بعد الحداثة، والمنهجية، في كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة - الجامعة اللبنانيَّة
- الأمينة العامة لـ «مُنتدى التفكير الوطني» - بكركي